قضايا وجودية - مقالاتمقالات

العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء الثاني والثمانون

المدرسة المشّائية: (80) حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "نوادر الفلاسفة والحكماء": حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم [4] فرق الفلاسفة والتعددية الفلسفية

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “نوادر الفلاسفة”: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم: [3] من آداب الفلاسفة.

ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية لحنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “نوادر الفلاسفة”.

فرق الفلاسفة: اختلاف أحوال المعرفة وتعددها

بيّن حنين ابن إسحاق أن الفلاسفة اختلفوا باختلاف أحوال المعرفة وتعددت فرقهم ومدارسهم بتعددها، فقال: “وتفرقوا في الفلسفة، واختلفوا في أحوال المعرفة فرقًا: اشتق لكل فرقة منها اسمٌ مفهومٌ، ومعنى معلوم: من اسم القابل للفلسفة والمعتقد لها”.

“واشتقاق ذلك الاسم: إما من الأشياء الباطنة من أمره (يعني الفيلسوف)، وإما من الأشياء الظاهرة من أمره. فأما الباطنة: فمن رأي المعتقد، أو من خلقه، أو من أفعاله”.

“والرأي: إما أن يكون في علمها، وإما أن يكون في الغرض المقصود إليه في علمها. أما في علمها: فرأي المتمنعين (= الشكاك الذين يمتنعون من إبداء الرأي ويشكون في قدرة الإنسان على المعرفة) وهم شيعة فورون (بيرون مؤسس مدرسة الشك في اليونان، نحو 365– 375 ق.م) وسجسطس (= سكستوس إمبريكوس، 180– 220 م) وإنما سموا بهذا الاسم أنهم تمنعوا بالحكمة وما عرّفوها بشيء من الأشياء”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

“فأما في الغرض المقصود إليه في العلم والحكمة: فرأي أصحاب اللذة، وهم شيعة أفيقورش (= أبيقور: نحو 341– 270 ق.م، مؤسس الأبيقورية). وإنما سموا بهذا الاسم لأنهم يزعمون أن الغرض المقصود إليه علم الفلسفة اللذة التابعة لها”.

“وأما الاسم المشتق لها من أخلاق المعتقد لها: فالذين يعرفون بـ”الكلاب”، وهم شيعة ذيوجانس (ديوجينيس الكلبي: 413– 323 تقريبًا قبل الميلاد، مؤسس المدرسة الكلبية). وإنما سموا بهذا الاسم لاستخفافهم بالأمور الجمّلية (= العامة/ القوانين العامة، أو ما تتواضع عليه الناس) المتفق عليها، ولأنهم يحبون أقاربهم وأهاليهم، ويبغضون من كان غريبًا عنهم. وإنما يوجد هذا الخلق في الكلاب”.

“فأما الأفعال المستعملة لها فالذين يسمون “المشائين”، وهم شيعة أفلاطن (= أفلاطون). وإنما سموا بهذا الاسم لأن أفلاطن كان يعلِّم الفلسفة وهو يمشي، كيما يروض مع النفس البدن. إلا أنهم بعد موته افترقوا:

  • فبعضهم لحق بكسانوقيراطيس (إكسينواقراطيس: 396– 314 ق.م) وسبوسيفوس (أوسبيسيبوس 393– 339 ق.م)، وسمّوا المشائين من أهل أقاداميا (= الأكاديمية: حديقة أقاديموس التي كان فيها مدرسة أفلاطون). وهذا هو الموضع الذي كان يعلمهم فيه. غير أن الفعل (أي المشي) بطل عنهم أخيرًا، وبقي عليهم اسم الموضع، وهم الأقادميون (أي زال عنهم اسم المشائين وأصبحوا يسمون: الأقاديميين، أي أهل أقاديميا، الأكاديميين).
  • وبعضهم لحق بأرسطاطاليس، وسموا “المشائين” من أهل اللقيون (اللوقيون: مدرسة أرسطو) وذلك أن أرسطاطاليس كان يعلمهم بـ”لوقيون”، وهؤلاء بطل عنهم أخيرًا اسم الموضع، وبقي اسم الفعل (= مشاؤون)

فهذه الأسماء التي سميت بها الفرق في الفلسفة في الأشياء الباطنة ومن الأمور المعتقد لها/ الكائنة فيها.

وأما من الأشياء الظاهرة من أمره:

  • فمنها ما يسمى باسم الرجل المعتقد لها، مثل: شيعة فيثاغورس.
  • ومنها ما سمي باسم بلده، مثل: الفلسفة المعروفة بقورينا، يعني اسم ارسطفوس (أرستوبوس القورينائي) الذي من أهل قورينا (القورينائيون).
  • ومنها سمي باسم الموضع الذي تتعلم فيه: فالذين يعرفون بـ”أصحاب المظلة والرواق” الذين بمدينة إيليه (الرواقيون).

“فقد تبين أن الفلاسفة تسمت بسبعة أشياء: باسم المعلم، وباسم بلده، وباسم الموضع الذي يعّلم فيه، وبتدبيره وبرأيه في العلم، وبالحد المقصود إليه في العلم، وبفعال الفيلسوف وبالهمم السامية:

  • فالمسمون باسم المعلم: فشيعة فيثاغورس (= الفيثاغوريون).
  • والمسمون باسم البلد: فشيعة أرسطفوس (= القورينائيون).
  • والمسمون باسم الموضع الذي يتعلم فيه: فأصحاب المظلة (= الرواقيون).
  • والمسمون بالحد المقصود إليه: فالمتمنعون (= الشكاك).
  • والمسمون بأفعال الفيلسوف: فأصحاب اللذة (= اللذيون).
  • والمسمون بالهمم السامية: فالمشاؤون عند التعليم وهم أصحاب الأروقة.

تدوين الحكمة في كتب ثم ترجمتها من لغات الأمم المختلفة إلى اللغة العربية

وبعد أن ذكر حنين بن إسحاق فرق الفلاسفة واختلاف تسمياتها أعطانا لمحة عن الحكمة في تدوين الحكمة في كتب، وكيف وصلت إليه كتب الحكماء، فقام بنقلها وترجمتها إلى اللغة العربية، بعد أن تعلم اللغة العربية، فقال: “وكان تعليم الفلسفة حفظًا لا يدور بينهم قلم”. “وكانت مجالس الفلاسفة خاليةً من الكتابة طلبًا للحفظ وشحذ القرائح والأذهان، واتباعًا لسنن سقراط وأفلاطن وغيرهما من القدماء. وإنما دونت هذه العلوم في البيت. ولولا تدوين التلامذة لما سمعوه في صحفهم ومصاحفهم، بعد انصرافهم إلى منازلهم، لما وصل إلينا ما فسرناه من العلم، وترجمناه من الحكمة والفلسفة، ولكانت الحكمة قد دثرت، والفلسفة قد انقرضت. كان برحمة الله وتوفيقه ما ألهمهم ذلك بالكتاب بألسنتهم وأقلامهم، ولرغبتهم فيه وابتهاجهم بما تدارسوه من الصحف ليلًا ونهارًا. ثم مَنّ الله –عز وجل– علينا وعلمّنا العربية حتى استخرجنا ذلك من اليونانية والعبرانية والسريانية والرومية إلى اللسان العربي المبين، فلله الحمد على النعمة فيه والامتنان به والتوفيق له، وهو حسبنا ونعم الوكيل”.

هكذا كان مفكرو الدولة الإسلامية –في نهضتهم– مستوعبين للغات الأمم، ومطلعين على أهم ثمار الفكر الإنساني، فكانت نهضتهم آيةً من آيات التطور الحضاري: العلمي والفلسفي.

في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع حنين ابن إسحاق وكتابه: “نوادر الفلاسفة”: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم [5] اجتماعات الفلاسفة وبيوت الحكمة.

مقالات ذات صلة:

الجزء الواحد الثمانون من المقال

الجزء الثمانون من المقال

الجزء التاسع والسبعون من المقال

الجزء الثامن والسبعون من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج