مقالات

العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء الواحد والستون.. فلسفة الجغرافيا الحضارية

المدرسة المشَّائية: (59) إخوان الصفا وكتابهم "رسائل إخوان الصفا": ميتافيزيقا العلوم [15]: ميتافيزيقا الجغرافيا: فلسفة للجغرافيا الحضارية

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، (ج 60) عن إخوان الصفا: وكتابهم “رسائل إخوان الصفا”: ميتافيزيقا العلوم [14]: الأرض: نقطةٌ صغيرةٌ خُلقت لأمرٍ عظيم.

ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتَنا التأويليةَ: إخوان الصفا وكتابهم: “رسائل إخوان الصفا”.

1. الجغرافيا: تنوعُ البشر نتيجة لاختلاف المناخ وأحوال الفلك

يسبق إخوان الصفا ابن خلدون، ويقررون أن التنوع الهائل في البشر أمرٌ ناتجٌ عن اختلاف المناخ وأحوال الفلك، وفي ذلك يقول إخوان الصفا: “واعلم يا أخي بأن في كل إقليمٍ، من هذه الأقاليم السبعة، ألوفًا من المدن تزيد وتنقصُ، وفي كل مدينة أممٌ من الناس مختلفةٌ ألسنتُهم وألوانُهم وطباعُهم وآدابُهم ومذاهبُهم وأعمالُهم وصنائعُهم وعاداتُهم، لا يشبه بعضها بعضًا، وسبب ذلك اختلاف أهوية البلاد وتربة البقاع وعذوبة الماء ومُلوحتها، وكل هذا الاختلاف بحسب طوالع البروج ودرجاتها على آفاق تلك البلاد، بحسب ممرات الكواكب على مُسامَتات تلك البِقاع، ومطارح شعاعاتها من الآفاق على تلك المواضع”.

2. الجغرافيا: فلسفةٌ للحضارة أيضًا

ليست الجغرافيا عند إخوان الصفا علمًا وصفيًا لأحوال الأرض فقط، بل هي فلسفة للحضارة أيضًا، وفي ذلك يقول إخوان الصفا: “واعلم بأنه ربما يزيد عددُ مدن الأرض وينقصُ، وذلك بحسب موجبات أحكام القِرانات وأدوار الأفلاك الأُلوف، وذلك بأن القِرانات الدَّالة على قوة السعود واعتدال الزمان واستواء طبيعة الأركان ومجيء الأنبياء وتواتر الوحي وكثرة العلماء وعدل الملوك وصلاح أحوال الناس ونزول بركات السماء بالغيث، تزكو الأرضُ والنباتُ ويكثر توالدُ الحيوان وتعمر البلادُ ويكثر بنيانُ المدن”.

“وبالقِرانات الدَّالة على قوة النحوس وفساد الزمان وخروج المِزاج من الاعتدال وانقطاع الوحي وقلة العلماء وعدل الملوك وفساد أخلاق الناس وسوء أعمالهم واختلاف آرائهم، يُمنع نزول البركات من السماء بالغيث، فلا تزكو الأرضُ ويجف النباتُ ويهلك الحيوانُ وتخرب المدنُ في البلاد”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

“واعلم يا أخي بأن أمور هذه الدنيا دُوَلٌ ونُوَبٌ تدور بين أهلها قرنًا بعد قرن، ومن أُمة إلى أُمة، ومن بلد إلى بلد”.

3. الجغرافيا: قانون التداول بين الحضارات

ويسبق إخوان الصفا ابن خلدون –الذي لم يذكرهم بالاسم ولا مرة واحدة!– في اكتشاف قوانين الاجتماع والعمران، وقوانين التاريخ والحضارة، ومنها قانون التداول القائم على مبدأ الزيادة والنقصان والتساوي. وفي بيان هذا القانون الثابت من قوانين الحضارة والتاريخ والاجتماع والعمران، يقول إخوان الصفا: “واعلم بأن كل دولة لها وقت منها تبتدي، وغاية إليها ترتقي، وحد إليه تنتهي، فإذا بلغت إلى أقصى غايتها ومدى نهايتها تسارع إليها الانحطاطُ والنُّقصانُ، وبدا في أهلها الشؤم والخِذلان، واستأْنف في الآخرين من القوة والنشاط وظهور الانبساط، وجعل كل يوم يقوى هذا ويزيد، ويضعف ذاك وينقُص، إلى أن يضمحلّ الأول المقدّ ويستمكِن الآتي المتأخر”.

4. الجغرافيا: المبدأ الرياضي: الزيادة والنقصان والتساوي

ويستكمل إخوان الصفا رؤيتهم الكونية الرياضية إلى الوجود، ببيان مبدأ يعتمد على عمليات رياضية: الزيادة والنقصان والتساوي، وفي ذلك يقول إخوان الصفا: “والمثال في ذلك مجاري أحكام الزمان، وذلك أن الزمان كله نصفان، نصفه نهار مضيء، ونصفه ليل مُظلم، وأيضًا نصفه صيف حار، ونصفه شتاء بارد، وهما يتداولان في مجيئهما وذهابهما، كلما ذهب هذا، رجع هذا، وتارة يزيد هذا، وينقص هذا، وكلما نقص من أحدهما، زاد في الآخر بذلك المقدار، حتى إذا انتهيا إلى غايتهما في الزيادة والنقصان، ابتدأ النقصُ في الذي تناهى في الزيادة، وابتدأتِ الزيادةُ في الذي تناهى في النقصان، فلا يزالان هكذا إلى أن يتساويا في مِقداريهما، ثم يتجاوزان على حالتيهما إلى أن يتناهيا في غايتيهما، من الزيادة والنقصان، وكلما تناهى أحدهما في الزيادة ظهرت قوتُه وكثرت أفعالُه في العالم، وخفِيت قوةُ ضده وقلت أفعالُه”.

5. الجغرافيا السياسية: دولةُ أهلِ الخيرِ ودولةُ أهلِ الشر

ووفقًا لقانون التداول أيضًا القائم على علاقات التساوي والزيادة والنقصان يقرر إخوان الصفا رؤيتهم السياسية لدولتي الخير والشر وتعاقبهما في العالم: “فهكذا حُكم الزمان في دولة أهل الخير وأهل الشر: تارة تكون الدولة والقوة وظهور الأفعال في العالم لأهل الخير، وتارة تكون الدولة والقوة وظهور الأفعال في العالم لأهل الشر، كما ذكر الله، عزَّ وجلّ، وقال: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، “وما يعقلها إلا العالِمون”.

خلاصة تأويلية

تلك رؤية جغرافية ميتافيزيقة إلى الوجود. فلسفة للجغرافيا وفلسفة للتاريخ العام والحضارة أيضًا. وبها يتم إخوان الصفا رؤيتهم الرياضية إلى الوجود: الله والإنسان والعالم. العدد والهندسة والفلك والموسيقى والجغرافيا.

في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع إخوان الصفا وكتابهم: “رسائل إخوان الصفا”: ميتافيزيقا العلوم: ميتافيزيقا التطور: التطورُ الموجَّهُ بالحكمةِ الإلهية.

 

مقالات ذات صلة:

الجزء السابع والخمسون من المقال

الجزء الثامن والخمسون من المقال

الجزء التاسع والخمسون من المقال

الجزء الستون من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج