تفريغ شحنة الاحتياج

الإنسان الطبيعي لا يكتفي بالأكل والشرب وكسب المال وتحقيق الرفاهية الشخصية وحب أسرته، الإنسان الطبيعي لا يستطيع أن يكتفي بهذا، دائمًا يبحث عن قضية أو علم أو شعار يتحمس له ويدافع عنه. هذا ما يسمى الانتماء!
الانتماء ما يجعل مجموعة من الغرباء الذين لا يعرفون بعضهم، ولم يلتقوا من قبل أبدًا، وليسوا من أسرة واحدة أو أقارب، لكن هذا الانتماء يجعلهم يشعرون أنهم متحدون على هدف واحد، وحلم واحد، وأمل واحد، وقضية واحدة.
الانتماء احتياج طبيعي في البشر كلهم، أن يشعر مجموعة من البشر بالاتحاد، نحن ضد هم، وبما أن الانتماء احتياج طبيعي، فإن الإنسان الطبيعي مستعد للتضحية في سبيل الانتماء.
يضحي بوقت أو مجهود أو مال، تمامًا كما يضحي بالوقت والجهد والمال في سبيل الحصول على الرزق وطعام أو احتياجات جسدية.
الانتماء يمكن أن يكون لقضية عالية نبيلة، مثل الدين، الإسلام، الحرية من الاستعمار، العدل، الدفاع عن الهوية واللغة، تحرير العقول، نشر العلم، مساعدة الفقراء والضعفاء، إلخ.
يتجمع مجموعة من الأشخاص لا يعرفون بعضهم على الهدف النبيل، يساعدون بعضهم، يتناقشون، يدافعون بحماس عن قضيتهم، يضحون بوقتهم وجهدهم وربما أموالهم في خدمة هذا الانتماء لقضية عظيمة محترمة.
لكن أيضًا يمكن أن يتحول الانتماء لأي أمر غير مهم وتافه، مثل الانتماء لتشجيع فريق كرة، أو فرقة موسيقية، أو التعصب لممثل أو راقصة.
ستجد الحالة نفسها، مجموعة من البشر، لا يعرفون بعضهم، لكن يجمعهم الانتماء والحماس لتشجيع فريق كرة أو لون فانلة أو لاعب أو مغنٍ.
نادي المعجبين!
نادي المشجعين!
تُفرّغ شحنة الانتماء في أمر لا يفيد، المهم تفريغ شحنة الاحتياج إلى الانتماء في مخرج آمن لا يسبب مشكلات للشخص ولا للحكومات ولا لرجال الأعمال، ويوافق عليه الأمن.
وبما أن الانتماء احتياج طبيعي، مثل الأكل والشرب للبشر كلهم، فتغذية هذا الاحتياج يمكن أن تكون بغذاء صحي مفيد حلال، أو بأكل فاسد مثل مطاعم الشوارع والطعام الذي يضاف إليه مواد حافظة وصناعية!
هذا ما تعلمته الحكومات جيدًا، منذ زمن بعيد، وتستعمله في تغذية هذا الاحتياج بالغذاء الفاسد، كي لا تحدث مشكلات وتستطيع تحريك الغوغاء والقطعان وتخديرهم.
رأينا في السنوات الأخيرة مظاهر مضحكة من تفريغ الاحتياج بالانتماء.
مثلًا أشخاص كانوا متحمسين للدعوة الإسلامية ونشر الدين والإسلام، مشاركة في دورات تحفيظ قرآن مثلًا، أو تعلم الفقه، أو مساعدة المجتمع، أو نشر الدين والدعوة، وليس لهم أي علاقة بالسياسة.
لكن بعد فشل الربيع العربي، عرفوا أن كلمة إسلام يمكن أن تتسبب في مشكلات، فأصابهم الإحباط لبضع سنوات، وتركوا دورات تحفيظ القرآن وجلسات تعلم الفقه ومساعدة المجتمع.
ثم بحثوا عن مخرج، فتوجه عديد منهم إلى إطعام قطط الشوارع وكلابها، وتكونت مجموعات في أشد الحماس للدفاع عن الرفق بكلاب الشوارع ورعايتهم، لدرجة الخناقات والمشكلات.
أو توجهت بعض الفتيات إلى الحماس الشديد للنسوية والدفاع عن النساء، رغم أن حياتهن لا تعاني أي مشكلة، لكن البحث عن قضية وانتماء جعلهن يتجمعن على بعض الأهداف، حتى لو كانت هذه الأهداف غير واضحة، المهم الصحبة مع آخرين في الدفاع عن الستات ضد الرجال الأشرار.
طبعًا نعرف المخرج الشهير للانتماء الذي تستعمله الحكومات لتخدير الشعوب: تشجيع الكرة، يقدم الاحتياج نفسه، تجمع كبير من الناس، لا يعرفون بعضهم، لكن يتحول لون قميص لاعب في الملعب ومسار الكرة إلى الانتماء الذي يجمعهم، لتفريغ الشحنة والاحتياج.
بدلًا من أن يتحول هذا الاحتياج للانتماء إلى مسار يشكل خطرًا على الاستعمار أو الحكام أو رجال الأعمال، تجمع وتعاون واتحاد وانتماء حول تحقيق العدل أو الحرية أو الحق أو الدين أو الاستقلال، لا قدر الله.
الإنسان الطبيعي يحتاج إلى الانتماء إلى شيء أو شعار أو هدف يجمعه مع عدد كبير من الغرباء من حوله.
لو لم يشبع هذا الاحتياج بطريقة صحية، في سبيل هدف نبيل محترم يرفع من قدر الإنسان وعقله ودينه واحترامه للذات وثواب الله، يوجه هذا الاحتياج نحو التخدير وتغذية هذا الاحتياج بالغذاء الفاسد، مثل الحماس لفريق كرة أو قطعة قماش أو عنصرية ضد الآخرين أو قطط وكلاب وعصافير ونسوية، المهم حاجة أمان لا تضايق الحكومة والأمن.
مقالات ذات صلة:
لماذا ارتفع الدُخان إلى هذا الحد؟
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا