الدفع مقابل خدمات الأم
تخيل أنك أحضرت هدية جميلة إلى ابنتك الحبيبة، وبعد أن قدمت لها الهدية الجميلة فرحت ابنتك بها فرحا شديدا، ثم توجهت إليك ابنتك الحبيبة لتشكرك من أعماق قلبها، ثم أخرجت محفظتها وفتحتها لتخرج منها النقود وهي تسألك عن ثمن الهدية لتدفعه لك!
غالبا لو إنسان طبيعي ستشعر بالإهانة والألم، فهذه هدية تعبير عن مشاعر وليست شيئا تبيعه، لكن حسب قواعد السوق فهذا التصرف الذي تقوم به ابنتك تصرف منطقي جدا، أخذت منك شيئا وستعطيك المقابل في صورة مال! بينما على مر العصور تعامُل الناس يكون أنك أعطيتها هدية مقابل مشاعر وليس مقابل المال، وتتوقع أن تحدث المعاملة بالمثل يوما ما، أن تساعدك أو تهديك شيئا ما ليس مقابل أشياء لكن مقابل المشاعر والاحترام.
ذلك لأن البشر طوال التاريخ يتعاملون مع بعضهم بأسلوب أن السوق جزء صغير من الحياة يتم التعامل فيه بالمال والماديات فقط، لكن بقية الحياة التعامل فيها يعتمد على الاحترام والخدمات المتبادلة بدون مال.
عالم السوق
اليوم أصبحنا نعيش في عالم السوق بدلا من عالم فيه سوق! أصبح السوق هو كل شيء اليوم، وحدث هذا خلال القرن العشرين مع سيطرة الرأسمالية والاستعمار الغربي، لذلك قديما كان من العار أن يبيع شخص ما أرض أجداده، لو حدث هذا يقوم الناس بمعايرته بأغنية
“عواد باع أرضه، يا ولاد
على طوله وعرضه، يا ولاد”
كان أن يبيع أرضه فضيحة!
أوجه مختلفة للثمن
اليوم في عالم السوق من المنطقي جدا أن يبيع أرضه طالما أنه تقاضى الثمن المناسب، ويبيع بيته وقلعته وأي شيء طالما أخذ الثمن المناسب، الثمن ليس في صورة احترام أو مشاعر، لكن الثمن في صورة من أربع صور:
١ _ ذهب.
٢ _ أوراق نقدية أو سندات تطبعها الحكومات والبنوك.
٣ _ عملات رقمية مثل البيتكوين وغيرها.
٤ _ تبادل سلعة مقابل سلعة.
بل حتى حياة الناس أصبح لها أسعار، وخبرات الناس ووقت الناس، كل شيء أصبح له ثمن في السوق، الموظف أو العامل يقدم وقته وخبرته مقابل سعر محدد، ويتوقف عن تقديم هذا الوقت أو الخبرة لو لم يتم دفع الثمن. بل أصبح لدينا من يتاجر بشعارات قديمة ليس لاقتناعه بها لكن من أجل التفاوض والحصول على سعر أفضل!
الجميع يبحث عن ثمن لكل شيء
فالجندي والضابط الذي يقول أنه دخل الجيش لأنه يضحي في سبيل الوطن هو في الحقيقة دخل الجيش مقابل مرتب وطمعا في مزايا وتسهيلات وإعفاءات من ضرائب ورسوم.. إلخ، وهذا ما كانوا يسمونه قديما مرتزقة، أي يحارب مقابل أجر، بل حتى شعار الطب مهنة إنسانية أصبح نفس التاجر الذي يكتب على باب محله “الشكك ممنوع والزعل مرفوع”، والمهندس أو المحامي أو السباك الذي يقول: “ما فيش عشم وعم عشم مات”،
ويرفض إعطاء أي خدمة إلا بعد ضمان المقابل المالي حتى لو كان فيها ضرر أو ألم أو ظلم للغلبان، نفس هذا التاجر أو السباك أو المهندس يعرف أنه اليوم يشتري وقت وخبرة الطبيب مقابل المال، ويستعمل شعار الطب مهنة إنسانية ليس لأنه يصدق هذا الشعار لكن ليستعمل هذا الشعار في التفاوض والحصول على أفضل سعر في السوق المفتوحة!
وتحول العالم إلى سوق صنع عالما فيه وفرة في المنتجات والخدمات وكل شيء لكنه عالم تعيس كئيب، أصبح الناس يملكون الكثير لكن تعساء، حزينون مكتئبون، قلقون، شديدو القلق، وبما أننا في عصر السوق فالجميع أصبح يبحث عن مقابل وثمن لكل شيء حتى المشاعر، واليوم نجد الجمعيات النسوية في الهند _كما نرى في هذا الخبر_ تطلب ثمنا وأجرا مقابل خدمة الأم لأولادها وبيتها وزوجها.
الجمعيات النسوية تحاول إقناع النساء أن بيع خدماتهن مقابل المال هو الصحيح والمنطقي، وأن النساء يجب أن يعاملن أهلهن وأزواجهن بأسعار السوق، كما تتعاملن مع المدير الرأسمالي صاحب العمل الذي تعملن عنده ويستعملهن في خدمته مقابل مرتب آخر الشهر!
لقد قتل عالم السوق الكثير من المعاني في حياتنا اليومية، ولا يزال من يروج لهذا العالم الكئيب يخدع الناس، يطلب منهم أن يتنازلوا عن سعادتهم في العطاء والحب مقابل بعض الأوراق النقدية!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
اقرأ أيضاً:
أيهما أهم في الحياة الأشياء المادية أم الأفكار العقلية؟