العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء الرابع والسبعون
المدرسة المشَّائية: (72) أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "صوان الحكمة" [9] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: الحكماء الخمسة وأصحاب التجارب

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، عن أبي سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة” [8] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: الفلسفة في بلاد اليونان.
ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتَنا التأويليةَ: أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة”.
الحكماء الخمسة الموصفون بالحكمة من الفلاسفة: لقمان، فيثاغورس، سقراط، أفلاطون، أرسطو
1. أول من وصف بالحكمة: لقمان الحكيم
يقول السجستاني: “وذكر أبو الحسن محمد بن يوسف العامري (ت 381 ه) –قدس الله روحه العزيز– في كتابه الذي يسميه “الأمد على الأبد”– أن أول من وصف بالحكمة كان لقمان الحكيم. والله تعالى يقول “ولقد آتينا لقمان الحكمة”. وكان في زمن داوود النبي عليه السلام، وكان مقامهما جميعًا ببلاد الشام. وكان انبادقلس اليوناني يختلف إليه –على ما حُكي– ويأخذ منه حكمته. إلا أنه لما عاد إلى بلاد اليونان، تكلم في جِبِلَّة العالم بما شاء. فوجدتْ ظواهره قادحةً في أمر المعاد. واليونانيون كانوا يصفونه بالحكمة لمصاحبته التي كانت للقمن (لقمان) الحكيم، بل هو أول من وصف منهم بالحكمة”.
2. فيثاغورس: الذي كان من العلماء الزهاد في الدنيا، وقد أورد له السجستاني كثيرًا من الأقوال والوصايا الذهبية
“وفيثاغورس أحد الموصوفين بالحكمة، وقد اختلف بمصر إلى أصحاب داوود عليه السلام، حين جلوا إليها عن الشام. وقد كان تعلم الهندسة قبلهم من المصريين. فتعلم أيضًا العلوم الطبيعية والإلهية من أصحاب سليمان عليه السلام. ونقل العلوم الثلاثة، أعني علم الهندسة وعلم الطبائع والعلم الإلهي، إلى بلاد اليونان. ثم استخرج بذكائه علم الألحان، وأوقعها تحت النسب والأعداد. وادعى أنه قد استفاد هذه العلوم من مشكاة النبوة”.
يصف السجستاني فيثاغورس بقوله: “كان من العباد الزهاد في الدنيا”. ويروي عنه بعض الحكايات وبعض الأقوال، منها: “وسُئلَ عن الحكمة فقال: علمُ حقائق الأشياء الموجودة بحالٍ واحدةٍ أبدًا”، وقال لتلميذ له يتهاون بالتعلم: أيها الحَدَث! إنك إن لم تصبر على تعب التعلم، صبرت على شقاء الجهل”، وقال: “علموا أبناء الفلاسفة الأعدادَ (الحساب والأشكالَ الهندسية)، ليعرفوا من الأعداد كيف انحراف الأشكال وخروجها من الاستقامة”، وسئل عن النوم فقال: راحةٌ من التعب، وملاءمةٌ للموت، وقال: النوم مدته خفيفة، والموت نومٌ طويل، وقيل له: من أنت؟ وما أنت؟ فقال: أنا من حيث أنا “مَنْ” فأنا مَلَك، ومِنْ حيث أنا “مَا” فأنا طينة، ومن حيث اختلاط “مَنْ” بـ”مَا” فأنا إنسان. ومن حيث تصفية الأخلاط فأنا رب.
3. سقراط
“ثم أحد الموصوفين منهم بالحكمة بعد فيثاغورس سقراط. كان اقتبس الحكمة من فيثاغورس. واقتصر من أصنافها على المعالم الإلهية. وأعرض عن ملاذ الدنيا. وأعلن الخلاف على اليونانية في الدين. وقابل رؤساء ذوي الشرك بالحجج والأدلة. فثوّروا الغاغة عليه، وألجأوا ملكهم إلى قتله. فأودعه الملك السجن تحمدًا إلى جماعتهم، وسقاه السم تفاديا من شرهم”. وقد ذكر السجستاني هذه القصة على الاستقصاء في موضع آخر من كتابه “صوان الحكمة”.
سقراط أبو الفلاسفة القدماء
“وكان حنين ابن اسحق يقول: سقارطيس (سقراط) أبو الفلاسفة القدماء. وهو حكيم الحكماء. من عنده وردت الفلسفة، وعنه صدرت الحكمة. له الأمثال السائرة، والفوائد الغامرة”. ثم يورد ما تيسر له من أقوال سقراط وأحواله.
4. أفلاطون الحكيم
ثم أحد الموصوفين بالحكمة بعد سقراط أفلاطون. “وكان فيهم شريف النسب مفضالًا. وقد وافق سقراط في اقتباس الحكمة وفيثاغورس، إلا أنه لم يقتصر على المعالم الدينية، بل جمع إليها العلومَ الطبيعية والعلومَ الرياضية. وله كتب مشهورة، تولى تصنيفها، إلا إنها مرموزة رمزية(مغلقة)”.
أفلاطون الإلهي وأستاذ أرسطو
“وهو الإلهي الذي سلم له السبقَ كلُّ من كان بعده. وإذا شئت أن نشهده في هذه القلة العلية، وفي هذه المكانة الرفيعة، فانظر إلى أثارته وأمارته في أرسطوطاليس، فإنه الذي ألف الصناعة بأجزائها، وتصفحها من حضيضها إلى عليائها، وأجنى ثمرة كل من غرسها من أوليائها. والقول في هذين السيدين الفاضلين الكاملين طويل، والثناء عليهما موصول، وإحسانهما إلى كل من كان بعدهما ظاهر”. ثم يذكر السجستاني نوادر كلام أفلاطون وحِكمه.
5. المعلم الأول أرسطوطاليس
“ثم أحد الموصوفين منهم بالحكمة بعد أفلاطون: أرسطوطاليس، وهو معلم الإسكندر ذي القرنين. وكان ملازمًا لأفلاطون قريبًا من عشرين سنة لاقتباس الحكمة. وكان يسمى في حداثته: “الروحاني” (أي العقلاني) لفرط ذكائه. وكان أفلاطون يسميه: “العقل”. وهو الذي صنف الكتب المنطقية، ورتب الأبوابَ الطبيعية والأبواب الإلهية. ووضع لكل باب منها كتابًا على حدة، محافظًا على الولاء (التسلسل) فيه. وفي أيامه استتبَ المُلك لذي القرنين وانقمع به الشرك في بلاد اليونان”.
أرسطو: الفاضل الكامل
“وتفسير هذا الاسم أرسطوطاليس: الفاضل الكامل”.
بقية الفلاسفة كل واحد منهم يُنسب إلى صناعته:
“فهؤلاء الخمسة كانوا يوصفون بالحكمة”. ثم لم يُسم أحد منهم، بعد هؤلاء بـ”الحكيم”، بل كل واحد منهم كان ينسب إلى صناعة من الصناعات أو سيرة من السير، مثل بقراط (أبقراط) الطبيب، وأوميروس (هوميروس) الشاعر، وأرشميدس المهندس، وذيوجانيس الكلبي، وديمقراطيس الطبيعي. وقد تعرض جالينوس في زمانه، حين كثرت تصنيفاته، لأن يوصف بالحكمة، أعني أن ينقل عن لقب الطبيب إلى لقب الحكيم فهزأوا به وقالوا: “عليك بالمراهم والمسهلات، وعلاج القروح والحميات. فإن من شهد على نفسه بأنه شاكٌ في العالم: أقديم هو أم محدث؟ وفي المعاد: أحقٌ هو أم باطل؟ وفي النفس: أجوهر هو أم عرض؟– لمُتضّع الدرجة عن أن يسمى حكيمًا!”.
إلى ها هنا انتهى كلامُ العامري الذي ينقل السجستاني عنه، من كتاب “الأمد على الأبد”.
الفلاسفة أصحاب التجارب
ثم يتحدث عن: “قوم سلموا الأصول الصحيحة لمن تقدمهم، ثم اشتغلوا بتصفح الجزئيات لتصح لهم صناعة. فاقتصروا من النظر على تلك الآراء المحسوسة في تلك الصناعة الواحدة. وأخذوا أكثر براهينهم من الأوائل المسلمة التي اشتغل بها أهلُ النظر من الأوائل. وبعضهم أخذ قياساته من الأوْلى والأشبه. وإن كانوا فاضلين، فليست لهم قوة على تحقيق أصول صناعته، أعني مبادئها، وهم مثل جالينوس وبطليموس: فإن كل واحد منهما اشتغل بالتجربة وحكاية أصحاب التجارب ومستعملي القياس بتسليم الأصول والمقدمات التي بني عليها”. ومن هؤلاء: جالينوس: الذي قال عنه الإسكندر الأفروديسي: “إن جالينوس غرم من عمره ثمانين سنة حتى حصل على الإقرار بأنه لا يعلم، وإن تعب بصناعته المأخوذة من القياسات من التجارب المأخوذة من الحس، وعمل فيها أشياء ينتفع الناسُ بها انتفاعًا كبيرًا. حتى إنه ليس في المعمورة أحدٌ ليس لجالينوس عليه مِنّة، لكنه لم يَرُم –مع تحققه بصناعته وبراعته فيها– بلوغَ الدرجة العالية من الحكمة والنظر في العلوم الشريفة التي تسمى الحكمة على الإطلاق، وهي بلوغ الغاية”.
كلام الحكماء في الباري
“ولأنّا قد ذكرنا اعتقاد كل واحد من الحكماء، الذين أولهم ثاليس الملطي، في المبدأ، أوردنا أيضًا ما يراه كل واحد من هؤلاء الحكماء –أعني الذين أولهم انباذقبيس– في صفات الباري تعالى. ثم يذكر منهم:
أنباذقليس، فيثاغورس، سقراط، أفلاطون الذي يذكر من كتبه أفلوطيقوس بوليتيكوس، أي السياسي، طيماوس، النواميس (القوانين)، فاذن (فيدون) أرسطو، ويذكر له كتاب الطبيعة وما بعد الطبيعة.
“فهذا هو جملة ما تصور من مذهب هؤلاء الأربعة وتُلُقّف من الأئمة المنسوبين إلى الفلسفة”.
في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع أبي سليمان السجستاني وكتابه: “صوان الحكمة” [10] السجستاني مؤرخ الفلسفة: تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: رأي آخر في ظهور الفلسفة.
مقالات ذات صلة:
الجزء الواحد والسبعون من المقال
الجزء الثاني والسبعون من المقال
الجزء الثالث والسبعون من المقال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا