علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

ما أفضل برنامج لإجراء التحليل العاملي في العلوم النفسية والاجتماعية؟

كثيرًا ما يسألني طلاب الدراسات العليا: دكتور، أيهما أفضل في التحليل العاملي الاستكشافي: (SPSS) أم (JASP) أم (jamovi)؟ وإذا أردت إجراء التحليل العاملي التوكيدي، فهل أستخدم (JASP) أم (SmartPLS) أم (AMOS)؟ وعندما أتلقى مثل هذا السؤال، لا أبدأ عادةً بذكر اسم البرنامج، وإنما أسأل الباحث أولًا: كم يبلغ حجم عينتك؟ وما طبيعة بياناتك؟ وهل هدفك اكتشاف البناء العاملي أم اختبار نموذج نظري محدد؟

وقد دار معي مؤخرًا حوار من هذا النوع مع أحد طلاب البحوث بإحدى الجامعات، فقد ذكر لي أن لديه عينة قوامها 120 طالبًا، وأن المقياس يتكون من 30 مفردة. فنصحته باستخدام (JASP) في التحليل العاملي الاستكشافي، وكانت نصيحتي في الاتجاه الصحيح، لكنني أريد هنا أن أقدمها بصورة أكثر دقة ومنهجية، لأن المسألة ليست أن (JASP) “أفضل” من (SPSS) بصورة مطلقة، وإنما أن (JASP) يمتلك بعض المزايا المهمة جدًا عندما نتعامل مع المقاييس النفسية والتربوية ذات الاستجابات الرتبية، وبخاصة مقاييس (Likert) الخماسية أو السباعية.

والميزة المهمة التي تجعلني أميل إلى (JASP) في مثل هذه الحالات أنه لا يتعامل مع التحليل العاملي باعتباره محض استخراج لعوامل من مصفوفة ارتباط (Pearson)، وإنما يتيح في التحليل العاملي الاستكشافي التعامل مع المتغيرات الرتبية واستخدام مصفوفة (Polychoric/Tetrachoric Correlation) كونه أساسًا للتحليل. وقد أضاف (JASP) بالفعل هذه الإمكانات إلى وحدة التحليل العاملي، إلى جانب (Parallel Analysis) واختبارات أخرى مرتبطة بفحص البيانات.

وهنا أرى أن هذه النقطة تستحق أن يتوقف عندها الباحث قليلًا. فعندما يكون لدي مقياس للمثابرة الأكاديمية يتكون من مفردات تستجيب عليها عينة الدراسة وفق خمس فئات، مثل: “لا تنطبق إطلاقًا، لا تنطبق، محايد، تنطبق، تنطبق تمامًا”، فإن هذه الاستجابات في أصلها رتبية (Ordinal) وليست متغيرات مستمرة بالمعنى الدقيق. ولذلك فإن استخدام مصفوفة (Polychoric Correlation) يمكن أن يكون أكثر ملاءمة من التعامل الآلي معها باعتبارها متغيرات مستمرة وحساب (Pearson correlation) فقط، خصوصًا عندما تكون الفئات قليلة والتوزيعات غير متناظرة أو تظهر تأثيرات سقف وأرضية.

وأؤكد هنا على نقطة اصطلاحية مهمة: (Polychoric correlation) هو الذي يهمنا بصورة خاصة عند التعامل مع مفردات (Likert) الخماسية أو السباعية، أما (Tetrachoric correlation) فهو الحالة الخاصة المرتبطة بالمتغيرات الثنائية. ولذلك لا ينبغي أن نقول للباحث إن (Tetrachoric) “أفضل لليكرت الخماسي”، وإنما نقول إن (Polychoric) الخيار المناسب للمتغيرات الرتبية، في حين (Tetrachoric) للمتغيرات الثنائية.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ومن هنا يمكن أن أقول للباحث: إذا كان لديك مقياس ليكرت خماسي مكون من 30 مفردة، وكنت تريد اكتشاف بنيته العاملية، فإن (JASP) يقدم لك بيئة مريحة جدًا لتنفيذ (EFA) على أساس مصفوفة (Polychoric)، مع استخدام (Parallel Analysis) لتحديد عدد العوامل، وطريقة استخراج مناسبة مثل (Principal Axis Factoring) أو (Minimum Residual)، وتدوير مائل مثل (Promax) أو (Oblimin) عندما تكون العوامل النفسية مترابطة. وهذه مجموعة من الخيارات المنهجية التي تجعل (JASP)  جذابًا جدًا في البحوث السيكومترية. كما أن التوثيق الرسمي لـ(JASP) يوضح وجود هذه الخيارات في التحليل العاملي.

لكنني لا أريد أن يفهم القارئ من ذلك أن (SPSS) أصبح برنامجًا غير صالح للتحليل العاملي. هذا غير صحيح. يستطيع (SPSS) إجراء (EFA) بصورة قوية جدًا، ويوفر طرقًا متعددة للاستخراج والتدوير، ويظل برنامجًا راسخًا في البحوث النفسية والتربوية. كما أن نتائج (JASP) في التحليلات العاملية الأساسية تتوافق مع نتائج البرامج الإحصائية الأخرى عندما تستخدم الخيارات المنهجية نفسها، وقد أظهر مشروع التحقق الخاص بـ(JASP) توافقًا بين نتائجه ونتائج (SPSS) و(R) في التحليلات العاملية.

إذًا إذا سألني الباحث: “هل (JASP) أفضل من (SPSS)؟” فسأجيب: ليس بصورة مطلقة، لكن في تحليل المقاييس الرتبية، وخاصة (Likert)، يمتلك (JASP) ميزة عملية ومنهجية مهمة بسبب سهولة إتاحة (Polychoric Correlation) والتحليل الموازي والخيارات الحديثة للتحليل العاملي.

ولنأخذ مثالًا تطبيقيًاعلى مقياس المثابرة الأكاديمية لدى طلاب الجامعة مكون من 30 مفردة. لنفترض أن الباحث لا يعرف بصورة مؤكدة هل المثابرة الأكاديمية بناء أحادي البعد أم تتكون من ثلاثة أبعاد، مثل المثابرة في مواجهة الصعوبات الأكاديمية، والاستمرار في تحقيق الأهداف، ومواصلة الجهد رغم الإخفاقات.

وفي هذه الحالة يكون التحليل العاملي الاستكشافي نقطة البداية المنطقية. أبدأ بفحص البيانات، وأتحقق من ملاءمتها للتحليل العاملي من خلال (KMO) واختبار (Bartlett) ، ثم أنظر إلى طبيعة المتغيرات باعتبارها رتبية، وأختار مصفوفة (Polychoric) عندما يكون ذلك ملائمًا. وبعد ذلك لا أعتمد بصورة آلية على قاعدة (Eigenvalue) أكبر من واحد لتحديد عدد العوامل، وإنما أستخدم (Parallel Analysis)، ثم أختار طريقة استخراج مناسبة للعوامل المشتركة مثل (PAF) أو (Minimum Residual)، وأستخدم تدويرًا مائلًا مثل (Promax) أو (Oblimin) إذا كانت العوامل متوقعة الارتباط.

ولنفترض أن التحليل أظهر ثلاثة عوامل، العامل الأول يضم المفردات المتعلقة بمواجهة الصعوبات، والثاني يضم المفردات المتعلقة بالاستمرار في تحقيق الأهداف، والثالث يضم المفردات المتعلقة بمواصلة الجهد رغم الإخفاق. فإذا كانت التشبعات العاملية قوية، ولم تكن هناك تشبعات متقاطعة مرتفعة، وكانت البنية قابلة للتفسير نظريًا، فإننا نستطيع القول إن (EFA) قدم دليلًا أوليًا على وجود بنية ثلاثية الأبعاد للمثابرة الأكاديمية.

لكنني سأكون حذرًا جدًا في التعامل مع عينة قدرها 120 طالبًا و30 مفردة. صحيح أن النسبة هنا أربعة مشاركين لكل مفردة، لكنني لا أحب أن نقدم نسبة 4:1 باعتبارها قاعدة إحصائية قاطعة. حجم العينة المطلوب في (EFA) لا يتحدد بعدد المفردات فقط، وإنما يتأثر بقوة التشبعات، والقيم المشتركة، وعدد المفردات التي تقيس كل عامل، ووضوح البنية العاملية، وغيرها من خصائص البيانات. ولذلك فإن 120 طالبًا قد يكونون كافين لإعطاء مؤشرات أولية في ظروف معينة، لكنهم لا يمثلون عينة مثالية لمقياس من 30 مفردة، ولا سيما إذا كانت البنية العاملية غير واضحة. لهذا فإن زيادة حجم العينة تظل أفضل من محاولة “إنقاذ” عينة صغيرة بتغيير البرنامج.

وهنا أصل إلى الجزء الثاني من السؤال: ماذا أفعل بعد (EFA)؟ إذا توصلت إلى نموذج ثلاثي العوامل للمثابرة الأكاديمية، فإنني أستطيع الانتقال إلى التحليل العاملي التوكيدي (CFA) لاختبار هذا النموذج. فيصبح لدي مثلًا عامل كامن أول يمثل المثابرة في مواجهة الصعوبات، وعامل ثان يمثل الاستمرار في تحقيق الأهداف، وعامل ثالث يمثل مواصلة الجهد رغم الإخفاق.

وهنا يجب أن أؤكد أن (EFA) و(CFA) ليسا تحليلًا واحدًا يؤدي الغرض نفسه. (EFA) يسأل: ما البنية الكامنة الموجودة في البيانات؟ أما (CFA) فيسأل: إلى أي مدى تتوافق البيانات مع البنية التي حددتها مسبقًا؟

ومن الأخطاء الشائعة أن يقوم الباحث بإجراء (EFA) ثم (CFA) على العينة نفسها، ثم يتعامل مع نتائج (CFA) باعتبارها تحققًا مستقلًا للبنية. هذا ليس الاختبار التوكيدي المثالي لأن النموذج اكتُشِف من البيانات نفسها التي يستخدمها الباحث في تأكيده. والأفضل عندما يسمح حجم العينة، استخدام عينة مستقلة للتحقق التوكيدي، أو تقسيم عينة كبيرة إلى عينة استكشافية وأخرى توكيدية. أما في عينة لا تتجاوز 120 طالبًا، فإن تقسيمها إلى مجموعتين قد يؤدي إلى مشكلة أكبر، لذلك فإن زيادة حجم العينة تصبح أولوية منهجية.

أما اختيار البرنامج في (CFA)، فلا أقول للباحث إن العينة الصغيرة تعني تلقائيًا (SmartPLS)، وأن العينة الكبيرة تعني تلقائيًا (AMOS)، هذه قاعدة شائعة، لكنها مبسطة أكثر مما ينبغي.

فالاختيار بين (CB-SEM) و(PLS-SEM) لا ينبغي أن يقوم على حجم العينة وحده. إن (CB-SEM)، الذي يمكن تنفيذه مثلًا باستخدام (AMOS) أو (JASP)، يكون منطقيًا جدًا عندما يكون لدى الباحث نموذج نظري محدد ويريد اختبار بنية القياس ومدى مطابقة النموذج للبيانات. أما (PLS-SEM) فهو إطار مختلف، ويكون مناسبًا بصورة خاصة عندما يكون التركيز على التنبؤ، أو عندما يكون النموذج معقدًا، أو عندما توجد مبررات لاستخدام البنى التكوينية، أو عندما تكون هناك بعض القيود المتعلقة بالبيانات. وتشدد الأدبيات الحديثة على أن اختيار (PLS-SEM) ينبغي أن يكون مرتبطًا بهدف الدراسة وطبيعة النموذج، وليس محض محاولة للهروب من مشكلة عدم الاعتدالية أو صغر حجم العينة.

وبناء عليه إذا كان لدي نموذج نظري واضح للمثابرة الأكاديمية، وكانت العوامل الثلاثة انعكاسية، وكان هدفي اختبار نموذج القياس والتحقق من مدى مطابقته للبيانات، فسأميل إلى (CFA) ضمن إطار (CB-SEM)، ويمكن تنفيذ ذلك في (AMOS) أو (JASP) أو بيئة (R/lavaan)، مع اختيار مقدر مناسب لطبيعة البيانات.

أما إذا كان النموذج جزءًا من نموذج بنائي أكبر والهدف الأساسي تنبؤي، أو توجد بنى تكوينية، أو توجد أسباب منهجية واضحة لاستخدام (PLS-SEM)، فإن (SmartPLS) قد يكون خيارًا مناسبًا. وهنا لا يصبح (SmartPLS) “أفضل” لأنه يتعامل مع العينة الصغيرة، وإنما لأنه ينتمي إلى إطار إحصائي مختلف له أهداف وافتراضات ومعايير تقييم مختلفة.

كما أنني لا أقبل العبارة التي تتردد كثيرًا: “البيانات غير المعتدلة إذن نستخدم (PLS)”، فعدم الاعتدالية لا يجعل (PLS) تلقائيًا هو الحل الأفضل. يمكن في إطار (CB-SEM) استخدام مقدرات مناسبة لطبيعة البيانات، كما يمكن استخدام (Bootstrap) في بعض السياقات، ويمكن اختيار مقدرات ملائمة للبيانات الرتبية. لذلك يجب أن يكون القرار مبنيًا على خصائص البيانات + هدف النموذج + طبيعة المتغيرات + حجم العينة + نوع النموذج، وليس على متغير واحد.

وفي حالة مقياس المثابرة الأكاديمية ذي الاستجابة الخماسية، أرى أن طبيعة البيانات الرتبية نفسها تستحق اهتمامًا خاصًا. فإذا كانت المفردات الخمسية تظهر توزيعات غير طبيعية أو كانت الفئات لا تتصرف أنها متغيرات مستمرة تقريبًا، فإن استخدام منهجيات ومصفوفات ارتباط ملائمة للبيانات الرتبية يصبح أكثر أهمية. وهنا تظهر إحدى نقاط قوة (JASP) في مرحلة (EFA) تحديدًا، لأنه يتيح للباحث استخدام (Polychoric Correlation) بدل الاقتصار على (Pearson)، وهو خيار مهم في التعامل مع المفردات الرتبية.

وهناك نقطة أخرى أود التأكيد عليها: لا ينبغي أن نقول إن البرنامج “يعالج” مشكلة صغر العينة أو عدم الاعتدالية. البرنامج لا يفعل ذلك. إذا كانت العينة غير كافية، فلن يجعلها (JASP) كبيرة، ولن يجعلها (SmartPLS) كبيرة، ولن يجعلها (AMOS) كبيرة. البرنامج لا يخلق معلومات غير موجودة في البيانات.

لهذا فإن نصيحتي النهائية للباحث الذي أمامه 120 طالبًا و30 مفردة ستكون مختلفة قليلًا عن الصياغة التقليدية: إذا كان هدفك (EFA) لمقياس (Likert) خماسي، فأنا أفضل (JASP) عمليًا، ليس لأنه أفضل من (SPSS) في كل شيء، وإنما لأن وجود (Polychoric Correlation) ، إلى جانب (Parallel Analysis) و(PAF/Minimum Residual) والتدوير المائل، يجعله بيئة ممتازة للتحليل السيكومتري الحديث. أما (SPSS) فيظل قادرًا على إجراء (EFA) بصورة جيدة، لكنه قد يحتاج إلى أدوات أو إجراءات إضافية عندما نريد بناء التحليل على مصفوفة (Polychoric) بدل (Pearson).

ثم إذا انتقلت إلى (CFA)، فلا تسألني فقط: “هل أستخدم (JASP) أم (AMOS) أم (SmartPLS)؟”قل اسأل أولًا: ما النموذج الذي أختبره؟ وما هدفي منه؟ وما طبيعة متغيراتي؟ وكيف سأتعامل مع كون مفرداتي رتبية؟

وبالنسبة إلى المثابرة الأكاديمية، فإذا كشف (EFA) عن ثلاثة عوامل، فسأختبر في (CFA) نموذجًا ثلاثي العوامل، وأفحص التشبعات العاملية، وملاءمة النموذج مثل (CFI) و(TLI)و(RMSEA) و(SRMR)، ثم أنتقل إلى الثبات وصدق البناء، بما في ذلك الصدق التقاربي والتمييزي، قبل استخدام المقياس في نموذج بنائي أكبر.

وفي النهاية، أقول دائمًا لطلاب الدراسات العليا: لا تختار البرنامج أولًا ثم تبحث عن التحليل الذي يناسبه، اختر التحليل الذي يناسب سؤالك وبياناتك، ثم اختر البرنامج الذي يستطيع تنفيذ هذا التحليل بأفضل صورة.

وبالنسبة إلي، فإن الميزة الحقيقية لـ(JASP) في التحليل العاملي للاستبيانات النفسية والتربوية ليست أنه “مجاني” فقط، ولا أنه “أسهل” فقط، وإنما أنه يضع بين يدي الباحث عددًا من الخيارات السيكومترية الحديثة بصورة مباشرة، وعلى رأسها (Polychoric/Tetrachoric Correlation) للبيانات الرتبية والثنائية، و(Parallel Analysis)، وطرق استخراج العوامل، والتدوير المائل. وهذا يجعله خيارًا جذابًا جدًا عندما نتعامل مع مقاييس (Likert) الخماسية في البحوث النفسية والتربوية.

أما السؤال عن “أفضل برنامج”، فسأظل أجيب عنه بالطريقة نفسها: ليس هناك برنامج أفضل على إطلاقه، هناك برنامج أكثر ملاءمة للتحليل الذي أريد أن أجريه، ولطبيعة البيانات التي بين يدي. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتعلمها الباحث قبل أن يتعلم أين يضغط على زر (Analyze).

مقالات ذات صلة:

التحليل العاملي الاستكشافي لأنماط العينة

تقنيات حديثة في علم النفس

وثيقة الخصائص السيكومترية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

ا.د. هشام الخولي

أستاذ القياس والتقويم النفس التربوي كلية التربية – جامعة السويس رئيس قسم علم النفس التربوي