حيث تتحول حياة البشر إلى محض ورقة أو رقم أو ملف

وقف الرجل العجوز أمام موظف البنك يشكو له في ضعف ووهن، ويقول: “يا ابني أنا معاشي متوقف من أربعة أشهر، ليه؟”. نظر الموظف إليه في لا مبالاة، ثم أعاد النظر إلى شاشة الحاسوب، وقال له: “حضرتك محتاج تحديث بيانات في الوزارة”.
يرد الرجل العجوز في حسرة: “والله يا ابني رحت الوزارة وقدمت الطلب والمستندات، وحولوني على الشركة، ورحت الشركة وعملت الإجراءات كلها، وكل واحد يقول لي خلاص يا حاج، طلبك سوف يأخذ مجراه في المؤسسة ويرجع المعاش بتاعك”.
يرد الموظف وهو يشعر بالملل من تكرار نفس الكلام: “معلش يا حاج، يعني أعمل أنا إيه؟ روح الوزارة تاني، استعجل الطلب”.
هذا مثال بسيط لما يسمى البيروقراطية، أن يتعامل إنسان مع كيان كبير، كيان بداخله مئات الموظفين. كل موظف منهم يجلس في مكتب يفعل شيئًا ما، وأنت لا تعرف مصيرك وسط هذه المكاتب والأدراج كلها، ولا تعرف حتى شخصًا واضحًا واحدًا مسؤولًا، تتحدث معه وتنهي مصلحتك. دمك يتفرق بين القبائل!
كل موظف من هؤلاء شخص عادي بسيط سلبي، لا يعرفك ولا تعرفه، يظلمك دون أن يلتقي بك أو حتى يعرف شكلك، يظلمك ويقتلك بالسلبية، يقتلك بأنه لا يفعل شيئًا، محض روتين، أنت محض رقم وورقة في مكتبه.
كلمة بيروقراطية تأتي من كلمة بيرو الفرنسية (bureau) يعني مكتب بأدراج، لأنها تعتمد على تقسيم كل شيء إلى أقسام وأدراج. منظومة تقسم فيها المعلومات كلها إلى أوراق في أقسام منفصلة، لا يعرف بعضها بعضًا.
لكن في النهاية تنتج الماكينة الحكومية الجهنمية، كل من فيها يؤثرون على حياتك، لكن يؤثرون عليها بعدم المبالاة والسلبية.
موظف يذهب للعمل في الصباح، يوقع على بعض الأوراق، كل ورقة منها تعني حياة إنسان، ثم تنتقل الأوراق إلى مكتب آخر، وهكذا.
قد يتأخر الموظف، يذهب للبيت، يأكل، يمرض، يغضب، يتصارع، يصلي، يحب، يفكر في مشكلاته وأسرته وحياته الشخصية، هذا كله يؤثر على الأوراق، التي هي حياتك.
لكنك لا تعرفه ولا يعرفك، ولا يهتم حتى بمعرفتك، ولو قابلته في الشارع فلن تلفت نظره ولن يلفت نظرك، رغم أن تصرفاته قد تدمر حياتك وتعطل مصالحك: في رخصة، في تصريح، في وظيفة، في معاش، في علاج، إلخ.
هذا الموظف لا يشعر أبدًا بأي تأنيب ضمير من الأذى أو التعطيل، فهو يقوم بواجبه وفق اللوائح والقوانين، عادي يعني، روتين. محض ورق ومعلومات على الشاشة!
يعني مئات الآلاف من الموظفين الطيبين الغلابة، أيوة غلابة! يدمرون حياة ملايين من الغلابة مثلهم! بقرارات في حياة أشخاص لا يعرفون عنهم أي شيء غير محض اسم أو رقم أو استمارة أو ملف ومستند.
تمامًا مثل الجنود الغلابة الذين يقومون بمذبحة في أشخاص لا يعرفونهم فقط لأنهم ينفذون الأوامر واللوائح والقوانين!
كثير من الناس ضحايا للحكومة والبيروقراطية والموظفين في المؤسسات العامة والخاصة، ورغم هذا لو بحثت عن الجاني لن تجده، هي محض تراكم أجزاء صغيرة سلبية كثيرة، لتصنع لنا عذاب ملايين من البشر.
تحكي رواية المحاكمة لكافكا عن شخص ما يُحقَق معه بتهمة لا يعرفها، التحقيق بواسطة جهة لا نعرفها، ويدخل في متاهات المكاتب والمؤسسات، لتدمر حياته كلها، رغم أن القصة كلها ليس فيها شخص واحد واضح تستطيع أن تصفه بالشرير أو الظالم أو المخطئ!
البيروقراطية: مجموعة كبيرة من السلبيين الباردين الهادئين البطيئين، بلا عاطفة ولا غضب ولا سعادة ولا حزن ولا شيء، تصنع كيانًا ظالمًا يظلم ملايين من البشر كل يوم في بلاد العالم كلها ببرود شديد، ومرتاح الضمير!
مجموعة كبيرة من الأشباح التي لا تعرفها ولا تراها، تجلس في قاعات الاجتماعات ووراء المكاتب وعلى شاشات الحاسوب، تصنع التعاسة والهموم في حياة ملايين من البشر، إذ تتحول حياة البشر إلى محض ورقة أو رقم أو ملف يُخزن في الحاسوب أو الأدراج!
مقالات ذات صلة:
“مذكرات موظف عام”.. تجربة إدارية مفيدة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا