الإنسان الملول

سأل أحدهم جبران خليل جبران: “ما أكثر شيء مدهش في البشر؟”، فأجاب: “البشر يملّون من الطفولة، ويسارعون ليكبروا، ثم يتوقون إلى أن يعودوا أطفالًا ثانيةً. يضيّعون صحتهم ليجمعوا المال، ثم يصرفونه ليستعيدوا الصحة. يفكرون بالمستقبل بقلق وينسون الحاضر، فلا يعيشون الحاضر ولا المستقبل. يعيشون كما لو أنهم لن يموتوا أبدًا، ويموتون كما لو أنهم لم يعيشوا أبدًا!”.
طاف الرجل بالأسواق سنوات طويلة يبحث عن جوهرة نادرة، وكان كلما رأى حجرًا أعجبه ترك ما في يده وذهب وراء ما ظنه أثمن وأجمل. وبعد عمر من السعي عاد إلى بيته خالي الوفاض، ثم فتح صندوقًا قديمًا ورثه عن أبيه، فإذا فيه الجوهرة التي أفنى حياته في البحث عنها. عندها قال بحسرة: “لم أكن فقيرًا إلى الجوهرة، بل كنت فقيرًا إلى البصيرة”.
لعل هذه الأقصوصة تلخص جانبًا من مأساة الإنسان، فهو كثيرًا ما يقف فوق النعمة وهو يبحث عنها، ويعيش داخل اللحظة وهو يفتش عنها في الماضي أو المستقبل. وما أكثر ما يطلب الأشياء من بعيد، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان يسكن في قلبها دون أن يشعر بقيمتها أو جمالها أو معناها.
من هنا يمكن فهم ذلك التناقض العجيب الذي يلازم الإنسان في أطوار حياته. فالطفل يتطلع إلى عالم الكبار، والكبير يحن إلى عالم الطفولة، والشاب يستعجل الغد، فإذا أدركه التفت إلى الوراء متسائلًا أين مضت الأيام.
ليس هذا كله نتاج تربية أو ثقافة فحسب، وإن كان لهما أثر لا ينكر، بل هو متصل أيضًا ببنية النفس الإنسانية ذاتها، فالنفس خلقت وفيها نزوع دائم إلى ما وراء الواقع القائم. إنها تألف الموجود فتضعف دهشتها به، وتتعلق بالمفقود فتضخم قيمته في خيالها. لذلك قال بعض الحكماء: “كل مرغوب إذا أدرك هان، وكل مفقود إذا ابتعد غلا”. وهنا يبدأ الإنسان رحلة لا تنتهي بين اللهفة على ما لم يأت، والحنين إلى ما رحل، حتى يكاد يفوته ما هو بين يديه.
يتمنى المرء في الصيف الشتاء، فإذا جاء الشتاء أنكره! فهو لا يرضى بحال واحد!
قتل الإنســان ما أكفره!
لذلك يضّيع بعض الناس صحتهم في جمع المال، ثم ينفقون المال في استعادة شيء من الصحة، لا لأنهم يجهلون قيمة الصحة، بل لأن المعرفة شيء والشعور الحي بالمعنى شيء آخر. فالإنسان لا يتعامل مع الحقائق كما هي، وإنما كما يراها في لحظته النفسية.
حين يكون أسير الحاجة يرى المال أعظم النعم، فإذا امتلكه اكتشف أن هناك أشياء لا تشترى. وحين يكون غارقًا في الحاضر يستهين بالزمن، فإذا تقدم به العمر أدرك أن الأيام لم تكن تمضي كما كان يظن، بل كانت تأخذ معها أجزاء من حياته.
من هنا جاء قول الحسن البصري: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك”. إنها عبارة قصيرة، لكنها تختصر العلاقة الموجعة بين الإنسان والزمن.
غير أن الحكمة لا تكمن في القضاء على هذه المفارقات، فذلك مما لا يطيقه بشر، وإنما في الوعي بها قبل أن تستبد بصاحبها. فالإنسان الناضج ليس من فقد أشواقه، بل من تعلم أن يديرها، وليس من توقف عن التطلع إلى الغد، بل من تعلم ألا يسرق الغد منه يومه.
وحين يبلغ هذه المرتبة يدرك أن الحياة ليست في امتلاك الأشياء ولا في فقدها، وإنما في اكتشاف معانيها في الوقت المناسب. عندئذٍ لا يزهد في طفولته وهو فيها، ولا يبدد شبابه وهو يعيشه، ولا يخاصم شيخوخته حين تطرق بابه.
وحين ينظر إلى عمره بعد ذلك لا يراه سلسلة من الأمنيات المؤجلة والندم المتراكم، بل رحلة فهمٍ متدرج لنفسه وللحياة. ربما كانت هذه هي الحكمة التي يتأخر كثير من الناس في تعلمها: أن أجمل ما نفتش عنه بعيدًا، هو في أحيان كثيرة أقرب إلينا من حبل الوريد، لكننا لا نراه إلا بعد أن نكاد نفقده.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________