الأندلس لن تعود
مع كل إطلالة للذكرى السنوية لسقوط بلاد الأندلس ، تنتشر على صفحات الإنترنت و مواقع التواصل الإجتماعي مقالات و قصائد شعرية ترثي ما كان للمسلمين من مجد في هذه البلاد من قصور فخمة و جنات مزخرفة …
كم من قصور وجنات مزخرفة *** فيها الفنون جمعناها أفانينا
وكم صروح وأبراج ممردة زدنا *** بها المُلك توطيدًا وتمكينا
لهذا أقول … الأندلس لن تعود
عبارة صادمة ولكنها الحقيقة ، لا لأننا لانستطيع استعادتها ، و لكن لأننا نريد استعادتها، استعادة القصور والجنات والملك والسلطة.
للتوضيح سأحكي حكاية و سأبدأ من البداية …
كان يا مكان هناك دولة عظمى تسمى” الاتحاد السوفييتي”،
قامت هذه الدولة بعد ثورة شعبية نادت بمبادئ العدالة الاجتماعية و حقوق العمال و المساواة بين الأغنياء و الفقراء،
بعد انتصار السوفييت الكبير في الحرب العالمية الثانية، تعاظم الاختلاف الأيدولوجي بينهم و بين حلفاء الأمس من المعسكر الغربي وبالأخص أمريكا، التي تبنت بدورها أيدولوجيا خالية من أي قيمة أو مبدأ إنساني، اللهم إلا مبدأ النفعية الباراجماتية التي – بحسب رأيها – هي أقصر الطرق للتقدم (المادي) و للسعادة البشرية (أقصد بالمادي هنا الجزء الهادف لخدمة جسد الإنسان و شهواته وهو مختلف عن الجانب القيمي و الفكري و الروحي للإنسان).
ازداد التنافس بين القطبين الكبيرين على تحقيق انجازات، وكانت معايير التقدم في هذا السباق مادية بحتة، مثل حجم الإنتاج الصناعي الذي تنتجه الدولة (بصرف النظر عن حقوق العمال)، مقدار ما تملك الدولة من أسلحة و مدى براعتها في استخدامها لنهب ثروات الشعوب, مدى النفوذ الدولي الذي تستطيع الدولة فرضه على باقي دول العالم سواء بالترغيب أو الترهيب، الإنجازات التكنولوجية التي غالبا لا يستطيع محدودي الدخل الاستفادة منها … إلخ
لأن الأهداف كانت مادية وخالية من أي قيم إنسانية روحية، فلقد تفوق في السباق من لم يرهق ظهره بحمل المبادئ والقيم الغير مادية التي تعيق التقدم المادي، فالإنسان عندما يعتقد بمبدأ العدل مثلا، فلن يسرق أو يقتل، فعندئذ ستقل ثروته عن ثروة من يؤمن بأن السرقة والقتل وسائل سهلة وسريعة للثروة ،
فلأن الأمريكي كان يطبق الباراجماتية إلى أقصى مدى، فقد تفوق في هذا السباق تفوقا ملحوظا، و بسبب رغبة غريمه السوفييتي في اللحاق به و تحقيق نفس أهدافه ، فقد أخذ شيئا فشيئا يتخلى عن مبادئ ثورته حتى أسقطها تماما، و بات أي حديث عن حقوق العمال و العدالة الاجتماعية حديثا رجعيا لا يتناسب مع متطلبات العصر الحديث.
الهدف من القصة هو توضيح أن هناك نوعين من الأهداف…
الأهداف المادية مثل المال والسلطة والأنهار الجارية والقصور الفخمة الفارهه (مثل العظمة المادية لدولة الأندلس )، هذا النوع من الأهداف إن سيطر على الشخص أو الدولة، سيقود حتما – إن آجلا أو عاجلا – إلى تخليها عن المبادئ و القيم غير المادية، لكي تستطيع اللحاق بالمنافسين الكبار الذين سبقوها بمراحل في هذا السباق، و هي عندما تريد التخلص من هذه القيم و المبادئ، ستجد الذرائع متوفرة (الضرورات تبيح المحظورات، الدين يسر لا عسر، حفظ الأنفس و الأموال …).
ولكن يجب التحذير أن كثيرا ممن تخلواعن المبادئ و القيم الروحية، و انطلقوا في سباق المادية النفعية، عندما وصلوا إلى القصور والأنهار والتيجان، وجدوها قصورا من رمال وأنهارا من سراب، ووجدوا أنه رغم تضحيتهم بالغالي والنفيس في هذا السباق، فإنهم سيلقون مصير كل من تخلى عن إنسانيته و صار عبدا لجسده وشهواته من شعور بالعدمية و اللامعيارية (نسب عالية للانتحار، إلغاء للعقول بالكحوليات و المخدرات، فراغ روحي وإحساس مزمن بالضياع وخيانة الدنيا).
وتحدث كل هذه المعاناة بسبب إهمال النوع الآخر من الأهداف … الروح، فالإنسان حقيقة مكون من جسد وروح، وشرف روحه في عقله، العقل الذي يفكر ويحكم، والذي هو مفطور على البحث والمعرفة، والذي إن اتبع التفكير المنطقي السليم سيكتشف أن السعادة الحقيقية تتمثل في الاشتراك في السباق الصحيح، السباق الذي هدفه كمال الإنسان بشقيه الروحي و المادي، والذي يفوز جميع المشاركين فيه، بشرط تمسكهم بالقيم والمبادئ الصحيحة، وتتناسب عظم جوائزهم مع مجهوداتهم في التحرير، تحرير النفوس من قيود الهوى وأسر الشياطين والطواغيت، فتنطلق حرة للبحث عن الحق وفعل الخير، وتبرع في تحقيق الانجازات المادية، بشرط أن يكون محل هذه الإنجازات اليد لا القلب.
وإن كان لا بد من جهاد على الأرض إلى جانب الجهاد الفكري الروحي، فهذه أنات المسجد الأقصى تصم الآذان، و هذه القدس الجريحة تئن تحت قيود الصهاينة المفسدين، فلتكن فلسطين هي القضية الجامعة لشتات الأحرار والمخلصين،وليكن هدفنا قطع رأس أفعى الظلم في العالم (أمريكا وإسرائيل) الأفعى التي تستعبد البشرية بسموم المادية النفعية، فعند تحقيق هذا الهدف، وبعد بناء قصور العلم و المعرفة الصحيحة في العقول، و جريان أنهار العدل والكرامة في النفوس، سيسهل تحرير القصور الجنات والأنهار في جميع بقاع المعمورة، و ليس فقط في الأندلس .وحينها الأندلس لن تعود وحدها بل مع جميع بقاع المعمورة
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.