فن وأدب - مقالاتمقالات

الأدب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي

حين يظن الغاصب أن الدبابة تحسم التاريخ، يُخرج له الأدب من بين الركام قنديلًا لا تنطفئ شعلته، كأن الحرف يدوّن ما يعجز الرصاص عن قوله. إن الاحتلال يملك الحديد والنار، أما الشعوب فلها القصيدة، وهيهات أن يغلب السيف ما تنقشه الأرواح على ألواح الخلود.

كل بيت شعري، وكل سطر روائي، وكل حكاية من فم أم ثكلى، هو جدار في وجه النسيان، وشهادة ضد الطمس. يهدمون البيوت، فيعيد الأدب بناءها في المخيلة حجرًا فوق حجر، حتى يصير النصّ خريطةً بديلة تحفظ الوطن من الضياع. وحين يُسرق التراب، تبقى اللغة وطنًا لا يغتصب، تصير القصيدة جواز سفر، والرواية بيتًا محمولًا، والمسرح منبرًا يرفع هوية الفلسطيني والعربي عاليًا، ويقول للغاصب: قد تأخذ الأرض، لكنك لن تنزع الجذر من الروح. وليس غريبًا أن يعلن محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، لتصبح الكلمة نفسها وطنًا لا يزول.

الأدب لا يجامل، ولا يساوم، إنه مرآة الجرح وفضيحة الجلاد. القصيدة تصرخ بما يراه العالم ويدير وجهه عنه: أطفال يذبحون، شيوخ يساقون، نساء تهجّر، وسماء مضرجة بالدخان. ليس الأدب هنا فنًا للترف، بل وثيقة دم، وصرخة عدل، وسجل اتهام لا يسقط بالتقادم. وهو فوق ذلك وقود للمقاومة، إذ لا تقاس المعارك بالرصاص وحده، بل بما يغرسه الحرف في النفوس من جذوة لا تخمد، وما يبثه من عزيمة تجعل الدمعة إصرارًا، والجنازة وعدًا بالحياة، والنكبة ملحمة تتوارثها الأجيال. وقد لخّص غسان كنفاني هذا المعنى بقوله: “إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين”، فالأدب شهادة أحياء لا ينكسرون.

ومن صفحات الشعر والرواية عبرت القضية الفلسطينية الحدود إلى أصقاع الأرض. حملتها الترجمة إلى لغات شتى، فإذا بها تنبض في قلب القارات البعيدة، شاهدة على أن المظلوم لا يموت صوته، وأن الكلمة إذا صدقت تصير رسولًا للحق. وما يبتغيه الاحتلال قبل كل شيء أن تُنسى الحكاية، لكن الأدب يقف حارسًا للزمن، يدوّن أسماء القرى التي أحرقت، والأمهات اللواتي ودعن أبناءهن، والأطفال الذين رسموا بدمائهم خريطة فلسطين. يرفض الأدب الصمت، ويمنع الغياب، ويكتب في قلب كل جيل: لن ننسى. كأن درويش يردد من بعيد: “نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا”، والحب هنا فعل مقاومة.

هكذا يقف الأدب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لا كلعبة فنية ولا كترف لغوي، بل كصرخة وجودية وسلاح سرمدي. هو السيف الذي لا يغمد، والجرح الذي لا يلتئم إلا بالحرية. فإذا كان الاحتلال يراهن على موت الذاكرة، فإن الأدب يراهن على خلودها، حتى يجيء اليوم الذي تكتب فيه الرواية الأخيرة: رواية التحرير.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

مقالات ذات صلة:

فلسطين عربية محتدًا وواقعًا

كيف يدافع الفن عن قضية؟

حرفة الأدب

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. كمال علي كمال

كاتب وروائي ـ معلم للغة العربية