قضايا وجودية - مقالاتمقالات

العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء الثالث والثمانون

المدرسة المشّائية: (81) حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "نوادر الفلاسفة والحكماء": حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم [5] اجتماعات الفلاسفة وبيوت الحكمة

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “نوادر الفلاسفة”: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم: [4] فرق الفلاسفة والتعددية الفلسفية.

ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية لحنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “نوادر الفلاسفة”.

اجتماعات الفلاسفة: بيوت الحكمة: بيوت الذهب!

يقول حنين بن إسحاق: “ثم اتخذت الملوك للفلاسفة والحكماء بيوت الذهب، فكانوا يجتمعون فيها ويتذاكرون علومهم بأصناف لغاتهم، فحفظها التلامذة في قلوبهم. فإذا عادوا إلى منازلهم دونوها بين حفظهم، ودرسوها في بيوتهم”.

وهذه صورة خيالية يراد منها تبيين مكانة الفلسفة وأهمية الفلاسفة في أي حضارة من الحضارات، فمقام الفلسفة والفلاسفة ليس أقل نفاسةً من معدن الذهب و”بيوت الحكمة” ليست أقل من أن تكون في “بيوت الذهب”!

والمغزى واضح: كأن حنينًا يقول: هذه هي المكانة الذهبية التي يجب أن يكون عليها الحكماء في أي دولة متحضرة!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وفي اجتماعات الفلاسفة، في بيوت الذهب هذه، يورد حنين اجتماعاتٍ عدةً: مرة يجتمع أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة أو عشرة أو ثلاثة عشر حكيمًا.

اجتماعات الفلاسفة: تأويل المصادر

لم يستطع الباحثون –حتى الآن– أن يجدوا مصدرًا لاجتماعات الفلاسفة التي يذكرها حنين بن إسحاق في كتابه “نوادر الفلاسفة”. ولا بد أنه كان هناك مصدر مباشر لكتاب حنين هذا لكنه لم يصلنا، شأنه شأن عديد من الكتب والمجموعات اليونانية والبيزنطية وغيرها من المجموعات والمؤلفات القديمة التي لم تصلنا.

ولا يهمنا نحن المصدر بل يهم مؤرخي الفكر (إن كنت مهتمًا بالتاريخ، راجع مقدمة تحقيق عبد الرحمن بدوي للكتاب)، وما يهمنا الانشغال الحضاري الذي كان يشغل حنين ومعاصريه، والرسالة الفلسفية التي كان يريد حنين إيصالها وتبيئتها داخل الحضارة العربية الإسلامية. فهذا بالضبط الذي يهمنا هنا: التأويل الحضاري –الذي قام به حنين بن إسحاق– للمصادر أيا كان لغتها أو جنسيتها أو قوميتها.

اجتماعات الفلاسفة: الإخراج المسرحي

والدوافع على تأليف حنين لكتابه: معرفة آداب القدماء والاستئناس بها، للمساعدة على الوصول إلى –على حد تعبير حنين نفسه –”الملكوت الأكبر الروحاني”: ملكوت عالم الحكمة الخالدة والفلسفة الباقية، فالوافد وسيلة، والموروث غاية. وذلك كله يكون في إخراجٍ مسرحي مبهر، مجالس مشوقة مثل مجالس ألف ليلة، لكنها مجالس حكمة وفكر، لا سمر وسهر وأنس وطرب.

الأخبار كلها مصنوعة من أجل استخلاص العبرة والحكمة منها، كأنها تمارين هندسية يتدرب عليها المتعلم في كيفية البرهنة على المطلوب، حتى إذا بلغ النضج يستطيع أن يستخرج البراهين بنفسه.

وعلى ذلك تدخل المنتحلات في تدوين التاريخ، سواء في الإخراج أو في التدوين. المهم قد اجتمعت الفلاسفة –ولو على سبيل الإخراج المسرحي– في بيوت الحكمة في الأعياد وتفاوضوا بينهم في الحكمة. والهدف: إيصال الحكمة بطريقة أدبية فنية إلى أكبر قدر من الناس، وأن تصير دولة المسلمين حكيمة وتحت رعاية حكيمة من خلفائها العباسيين، فذلك هو مشروع الدولة الحضاري الكبير. كما يقول حنين: “فالملوك اليونانية كانت تعلم أولادها الحكمة والفلسفة وتؤدبهم بأصناف الآداب”. والملوك العباسيون يريدون تعليم أولادهم وشعوبهم الحكمة والفلسفة. وهذا –كما أقترح– غاية وأصل ما يورده حنين بن إسحاق من اجتماعات الفلاسفة.

ويتطلب الإخراج المسرحي إضفاء جوٍ من الفخامة، الذي يؤثر في الجماهير والشعوب الموجهة إليهم هذه النوادر من الحكمة وأقوال الحكماء، فالبيوت التي يجتمعون فيها من ذهب، ومصورة ومزخرفة ومزينة بما يدهش ويبهر، فهذا ما يليق بالحكمة ونوادرها التي هي من أثمن المعادن: الحكمة من معدن الذهب، بل أثمن من الذهب.

أصل اجتماعات الفلاسفة

قال حنين بن إسحاق: “أصل هذه الاجتماعات أنه كانت الملوك اليونانية وغيرها تعلم أولادها الحكمة والفلسفة، وتؤدبهم بأصناف الآداب، وتتخذ لهم بيوت الذهب المصورة وأصناف الصور. وإنما جعلت الصور لارتياح القلوب إليها واشتياق النظر إلى رؤيتها. فكان الصبيان يلازمون بيوت الصور للتأديب بسبب الصور التي فيها. ولذلك نقشت اليهود هياكلها وصورت النصارى بيعها وكنائسها، وزوّق المسلمون مساجدهم، ذلك كله لترتاح النفوس إليها وتشتغل القلوب بها. فإذا حفظ المتعلم، من أولاد الملوك، علمًا أو حكمة أو أدبًا، صعد على درج إلى مجلس معمول من الرخام المصور المنقوش في يوم العيد الذي يجتمع فيه أهل المملكة إلى ذلك البيت، بعد انقضاء الصلاة والتبريك، فيتكلم بالحكمة التي حفظها، وينطق بالأدب الذي دعاه على رؤوس الأشهاد في وسطهم، وعليه التاج وحلل الجواهر. ويُحيّا المعلم ويُكرم ويُبَر. ويشرف الغلام ويعد حكيمًا على قدر ذكائه وفهمه، وتعظم الهياكل وتستر وتشتعل فيها النيران والشمع، وتبخر بالدّخن الطيبة. ويتزين الناس بأنواع الزينة. وبقي ذلك إلى اليوم للصابئة والمجوس، واليهود والنصارى في الهياكل وللمسلمين في المساجد”.

الغاية من اجتماعات الفلاسفة: تعليم علوم الحكمة

قال حنين: “فهذا الصنف أول ما يعلمه الحكيم التلميذ في أول سنة مع الخط اليوناني ثم يرفعه من بعد ذلك إلى النحو والشعر، ثم إلى الحساب، ثم إلى الهندسة، ثم إلى النجوم، ثم إلى الطب، ثم إلى الموسيقى. ثم بعد ذلك يرتقي إلى المنطق ثم إلى الفلسفة، وهي علوم الآثار (الأمور) العلوية. فهذه عشرة علوم يتعلمها المتعلم في عشر سنين”.

وهذه العلوم العشرة هي ما تلقاه أرسطو على يد معلمه الاستثنائي أفلاطون، وفي ذلك يقول حنين: “فلما رأى أفلاطون حفظ أرسطاطاليس لما كان يلقى إلى نطافورس، وتأديته إياه كما ألقاه، سره حفظه وطبعه، ورأى الملك قد أمر باصطناعه، اصطنعه هو وأقبل عليه، وعلمه علمًا علمًا، حتى وعى العلوم العشرة وصار فيلسوفًا حكيمًا جامعًا لما تقدم نعته”.

إن غرض حنين من روايته هذه القصة واضح: تعريف الناس بمراحل تعليم الفلسفة، فكل من يريد تعلم الحكمة عليه بإتقان هذه العلوم العشرة. فالحكمة والفلسفة طريق علمي شاق يحتاج إلى سنوات طويلة من الصبر الجميل والتعلم المستمر الطويل.

في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع حنين ابن إسحاق وكتابه: “نوادر الفلاسفة”: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم [6] اجتماعات الفلاسفة وحوار الحضارات.

مقالات ذات صلة:

الجزء الثاني والثمانون من المقال

الجزء الواحد الثمانون من المقال

الجزء الثمانون من المقال

الجزء التاسع والسبعون من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

 

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج