فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

الذكر في القرآن الكريم كلمة كثيفة الدلالة، الذكر نقيض النسيان، والنسيان تغييب مؤقت للحقيقة أو للنعمة. وهذا يعني أن الذكر حضور، والحضور انتقال من الغيب إلى الشهادة.
حين تذكر الله في خلقه يتذكرك الله برحمته، وحين تذكره في نعمه يتذكرك بكرمه، وحين تذكره في ذاته يمنّ عليك بالحضور، يأخذ يدك من عالم التنكير والنسيان إلى عالم التعريف، من متاهة الهوامش والغوافل إلى الجوهر، من الضلال إلى الهدى، من الموت إلى الحياة.
الذكر إيجاد، الذكر معرفة بذاتك ومعرفة بربك.
الذكر شكر، وكل شكر اعتراف واستحضار وانتقال بالأشياء والنعم من الغيب إلى الشهادة، فالناس يقومون من نومهم كل يوم، ويستقبلون الشمس كل يوم، ويأكلون كل يوم، كل هذه النعم تغيب عن وعيك وعن قلبك بالاعتياد، لا أحد ينتبه إلى نعمة الاستيقاظ واستقبال الصباح إلا المرضى، هنا فقط ننتبه إلى النعم الحاضرة، النعم التي ألقى بها الاعتياد في غياهب النسيان.
الذكر قوة وكرامة، الذين جربوا الذكر عاشوا مطمئنين راضين واثقين، النسيان فقر وقنوط ويأس وفراغ. النسيان كفران للنعم وتجاهل لها، وكل نعمة مكفورة تختفي، لا تشعر بها ولا تراها ولا تدري عنها شيئًا.
لذا يرتبط الذكر بالغنى، كل ذاكر غني بربه، كل ذاكر لديه من النعم ما لا يحصى، كل ذاكر ثري بالضرورة وكل غافل فقير بالضرورة أيضًا، لهذا كان الغني من أسماء الله تعالى.
في الأثر يقول ربنا: “أنا جليس من ذكرني”، وهذايعني أن الذاكر جليس المنعم، السبب الأول، ومن كان الله جليسه اغتنى، ومن نسي الله نسيه الله، ومن نسيه الله تخبط في الفراغ وفي الضيق والعوز.
“فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)”. إنها سلسلة من الكلمات، تفضي مقدماتها إلى نتائجها بقوة الشرط ولازم الجواب، في الذكر محبة، والمحبة امتلاء واستغناء بالمحبوب عن العالمين، لا حب دون امتلاء، ولا حب دون نور، ولا حب دون وصل.
الذكر وصل للماضي بالحاضر، وصل لماضيك بحاضرك، ووصل للأرض بالسماء، ووصل لروحك بتلك اللحظة البعيدة التي انسابت فيها الروح في جسدك، الروح شيء والنفس شيء آخر، الروح هي هذا النور الشريف الذي يجعلك تحنو على الضعفاء، وترق للمظلومين، وتسأل الله المغفرة.
الذكر يصلك بهذه السلسة الكريمة من النبيين والصالحين الذين عبروا قبلك لكنهم أناروا لك الطريق، ربما لهذا جعل القرآن ذكر السابقين أحد أدعيته الكريمة: “رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ”.
الذكر ببساطة يضع رحلك في رحال هؤلاء الأكابر، ويضع عبورك في عبورهم ورضاك في رضاهم،
الذكر يجعلك غنيًا، وكل غني حر بالضرورة. الذكر حب، وكل حب وصل، وكل وصل امتلاء.
الذكر حرية وكرامة.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.