قضايا وجودية - مقالاتمقالات

العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء السابع والستون

المدرسة المشَّائية: (65) أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "صوان الحكمة"

أطروحة الفصل بين الفلسفة والدين

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، عن أبي سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة” [1] المقدمة.

ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتَنا التأويليةَ: أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة”.

قلنا إن لأبي سليمان آراء فلسفية في العلاقة بين الدين والفلسفة، وتأريخًا إسلاميًا للفلسفة. وعلى ذلك سينقسم حديثنا إلى قسمين: الأول: أبو سليمان السجستاني الفيلسوف. الثاني: أبو سليمان السجستاني مؤرخ الفلسفة.

أولًا: أبو سليمان السجستاني الفيلسوف

نقد موقف إخوان الصفا في الدمج بين الفلسفة والدين

ينقل أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة رأي السجساني في نقده الحاد لإخوان الصفا ومشروعهم في دمج الفلسفة مع الدين: “تعبوا وما أغْنَوا، ونَصِبوا وما أجْدَوا، وحاموا وما وردوا، وغنّوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا ففلفلوا، ظنُّوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يُستطاع. ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسُّوا الفلسفةَ –التي هي علمُ النجوم والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطبيعة، والموسيقى التي هي معرفة النَّغَم والإيقاعات والنقرات والأوزان، والمنطق الذي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكمّيّات والكيفيّات– في الشريعة، وأن يضمُّوا الشريعة للفلسفة. وهذا مرام دونه حدد (موانع وصعوبات)”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

تبني أبي سليمان لأطروحة الفصل بين الفلسفة والدين

تبنى أبو سليمان السجستاني أطروحة الفصل بين الفلسفة والدين، واستند في طرحه ذلك إلى عدة مبررات، منها:

الدين شيء والفلسفة شيء آخر

يرى أبو سليمان أن الدين يقوم على الوحي، والفلسفة تقوم على العقل، فيقول: “إن الشريعة مأخوذة عن الله –عز وجلّ– بوساطة السفير بينه وبين الخلق مِن طريق الوحي، وباب المناجاة، وشهادة الآيات، وظهور المعجزات، على ما يوجبه العقل تارةً، ويجوزه تارة، لمصالح عامةٍ متقنة، ومراشد تامة مُبينّة. وفي أثنائها ما لا سبيل إلى البحث عنه والغوص فيه، ولا بد من التسليم للداعي إليه والمنبه عليه”. الوحي يقرر في ثقة واطمئنان، في حين العقل لا يستطيع القطع بشيء.

الدين لا يسمح بالسؤال عن لِمَ وكيف ولو وليت

يواصل أبو سليمان مجادلته باختلاف الدين عن الفلسفة، الدين قائم على التقرير المطلق، فلا محل لاعتراض أو تعليل أو تشكيك، فيقول: “وهناك –في الدين– يسقط “لِمَ؟” ويبطل “كيف؟” ويزول “هلاّ”، ويذهب “لو” و”ليت” في الرّيح، لأن هذه المواد (المسائل) عنها محسومة، واعتراضات المعترضين عليها مردودة، وارتياب المرتابين فيها ضار، وسكونَ الساكنين إليها نافع. وجملتها مشتملة على الخير، وتفصيلها موصولٌ بها على حسن التقبل، ليس فيها حديث المنجّم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك ومقادير الأجرام ومطالع الطوالع ومغَارب الغوارب، ولا حديث تشاؤمها وتيامُنها، وهبوطها وصعودها، ونَحْسها وسعدِها، وظهورها واستسرارها ورجوعها واستقامتها، وتربيعها وتثليثها وتسديسها ومقارنتها”.

“ولا –في الشريعة– حديثُ صاحب الطبيعة الناظر في آثارها، وأشكال الأسطُقُسّات بثبوتها وافتراقها، وتصريفها في الأقاليم والمعادن والأبدان، وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوس، وما الفاعل وما المنفعل منها، وكيف تمازجها وتزاوجها، وكيف تنافرها وتسايرها، وإلى أين تسري قواها، وعلى أي شيء يقف منتهاها”.

“ولا فيها –الشريعة– حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها، وما الكرة؟ وما الدائرة؟ وما المستقيم؟ وما المنحنى؟”.

“ولا فيها –الشريعة– حديث المنطقي الباحث عن مراتب الأقوال، وتناسب الأسماء والحروف والأفعال، وكيف ارتباط بعضها ببعض –على ما وضع رجل من يونان (أرسطو)– حتى يصحَّ، بزعمه، الصدق ويُنبَذ الكذب. وصاحب المنطق يرى أن الطبيب والمنجّم والمهندس وكل من فاه بلفظ وأم غرضًا فقراءُ إليه، محتاجون إلى ما في يديه”.

وينتهي أبو سليمان من ذلك كله إلى النتيجة الأخيرة، إذ يتساءل: “فعلى هذا، كيف يسوغ لإخوان الصفّاء أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوةً تجمع حقائقَ الفلسفة في طريق الشريعة؟”.

لا حاجة بالشريعة إلى الفلسفة بفروعها كلها: من منطق وطب ورياضيات وكيمياء وموسيقى

وتابع أبو سليمان قائلًا: “ولقد اختلفت الأمةُ ضروبًا من الاختلاف في الأصول والفروع، فما فَزِعوا في شيء من ذلك إلى منجّم ولا طبيب ولا منطقي ولا مهندس ولا موسيقي ولا صاحب عزيمة وسحر وكيمياء، لأن الله تعالى تمم الدين بنبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يُحْوِجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيانٍ موضوعٍ بالرأي”.

الدين وحي والفلسفة رأي

ويواصل السجستاني تساؤلاته: “فأين الدين من الفلسفة؟ وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل، من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل؟

فإذا أدلُّوا بالعقل فالعقل موهبةٌ من الله –جلّ وعزّ– لكل عبد، لكن بقدر ما يُدرك به ما يعلوه، كما لا يخفى به عليه ما يتلوه. وليس كذلك الوحي فإنه على نوره المنتشر وبيانه الميسر”. إن مراتب الناس في العقل متفاوتة، ومن هنا اختلفت آراؤهم في الفلسفة. في حين أن الوحي، وإن اختلفت درجاته، فهو دائمًا يصدر عن ثقة وطمأنينة بما يلقى إليه.

والنبي فوق الفيلسوف

“وبالجملة، النبي فوق الفيلسوف، والفيلسوف دون النبي، وعلى الفيلسوف أن يتبع النبي، وليس على النبي أن يتبع الفيلسوف، لأن النبي مبعوث والفيلسوف مبعوث إليه”.

والعقل لا يكفي

“ولو كان العقل يُكتفى به لم يكن للوحي فائدة ولا غناء. على أن منازل الناس متفاوتة في العقل، وأنصباؤهم مختلفة فيه. فلو كنا نستغني عن الوحي بالعقل، كيف كنا نصنع، وليس العقل بأسره لواحد منا وإنما لجميع الناس؟! فإن قال قائل بالعبث والجهل: كل عاقل موكولٌ إلى قدر عقله، وليس عليه أن يستفيد الزيادة من غيره، لأنه مكفيٌ، وغيرُ مطالبٍ بما زاد عليه، قيل له: كفاك تماديًا في هذا الرأي أنه ليس لك فيه موافقٌ، ولا عليه مُطابق. ولو استقل إنسان واحد بعقله في حالاته جميعها في دينه ودنياه، لاستقل أيضًا بقوته في حاجاته جميعها في دينه ودنياه، ولكان وحده يفي بالصناعات والمعارف جميعها، وكان لا يحتاج إلى أحدٍ من نوعه وجنسه وهذا قولٌ مرذول ورأيٌ مخذول”.

أبو سليمان المنطقي: قضايا الدين وعلم الكلام لا تبرهن بالمنطق

النتيجة التي ينتهي إليها أبو سليمان السجستاني، (وهو من أكابر المناطقة حتى لُقّب بأبي سليمان المنطقي): تأكيد أطروحة الفصل بين الفلسفة والدين. وعلى هذا الأساس كره علم الكلام والمتكلمين، لأنهم حاولوا أن يبرهنوا على قضايا الدين بالمنطق. فالمنطق –عند أبي سليمان– أداةُ الفلسفة ومنهجها، وليس أداةَ الدينِ أو منهجًا لقضاياه.

ولقد أثارت أطروحة أبي سليمان في الفصل بين الفلسفة والدين ردودًا قوية عليه.

في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع أبي سليمان السجستاني وكتابه: “صوان الحكمة”. [3] الرد على أطروحة الفصل بين الدين والفلسفة.

مقالات ذات صلة:

الجزء الرابع والستون من المقال

الجزء الخامس والستون من المقال

 الجزء السادس والستون من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج