مقالات

نحو فلسفة للعلوم الرقمية: مقاربة فلسفية للعلوم التي صاحبت العصر الرقمي

مقدمة:

ثمة تأثير كبير للعلوم الرقمية وتقنياتها على جوانب الثقافة الإنسانية، تلك العلوم التي لا تزال تبحث عن شرعية الاعتراف بها كعلوم في الأوساط الفكرية والفلسفية، ففي سبيل مواكبة العصر والتأقلم مع معطياته التقنية، يجب علينا جميعا السعي نحو فهم عقلي فلسفي للعلوم التي أوجدها وطورها العصر الرقمي. فهم يبحث في أسس هذه العلوم الرقمية ومناهجها وأخلاقياتها ونتائجها.

إن الهدف من هذا المقال هو الإشارة إلى ضرورة العمل على دراسة العلوم الرقمية دراسة فلسفية معيارية، وبما أن العلوم الرقمية تعبر عن روح العصر، حيث جاءت مصاحبة للتقدم العلمي والتكنولوجي الكبير؛ فإنه من الضروري البحث في أسس هذه العلوم ومناهجها وأخلاقياتها ونتائجها، بما يكفل لنا الاستفادة من هذه العلوم، وجني أكبر قدر ممكن من ثمار نواتج الرقمية، دون التفريط في قيمنا العربية الأساسية العليا، ودون الخوض في المحتوى المعرفي لهذه العلوم.

المقصود بالعلوم الرقمية:

إن ما أقصده بالعلوم الرقمية هو تلك العلوم الجديدة التي ظهرت نتيجة لاستخدامات الحاسوب المتعددة وتطبيقاته التكنولوجية الهائلة، وكذلك العلوم التي كانت موجودة قبل ظهور الرقمية، لكنها استفادت من الرقمية واستخدمت أدواتها في تطوير ذاتها، وظهرت في شكل رقمي تفاعلي.

ومن هذه العلوم على سبيل المثال وليس الحصر: علوم المعلومات Information Sciences، وعلوم البيانات Data sciences،والإنسانيات الرقمية Digital Humanities، واللغويات المعلوماتية Informatics Linguistics، والمعالجة الآلية للغات الطبيعية Natural Languages Processing، وعلم الذكاء الاصطناعي Artificial intelligence science، والإبستمولوجيا الرقميةDigital Epistemology ، والصحافة الرقمية Digital Journalism، والإعلام الرقمي Digital Media، والأرشفة الإلكترونية للنصوص والوثائق Electronic Archiving of Texts and Documents، والأدب الرقمي Digital Literature، وإنترنت الأشياء  Internet Of Things، والطباعة ثلاثية الأبعاد 3d Printing، وغيرها من العلوم.

إن الرقمية وما تملكه من أدوات وتكنولوجيات فائقة تعد من أكبر مولدات البيانات على وجه الأرض في هذه الأيام، حيث تعد هذه البيانات مصدرا أساسيا من مصادر إنتاج المعرفة. فهل من المنطقي أن يترك المفكرون والفلاسفة شأن دراسة العلوم الرقمية ومعالجة البيانات وإنتاج المعرفة وإدارتها لاختصاصي التقنية حصرا؟!

من هنا، من أجل فهم العالم المعاصر ومقاربة مستجداته ينبغي أن تؤخذ العلوم الرقمية في الاعتبار، وأن تتم دراستها دراسة فلسفية معيارية خالصة؛ خاصة وأن من أهم صفات هذه العلوم أنها علوم بينية تدعم عملية الإنتاج المعرفي المشترك، ويسهم في إنتاجها فرعان معرفيان متباينان على الأقل، كما أنها علوم يغلب عليها الطابع المعياري المجرد.

الثورة الرقمية ثورة فلسفية:

إن الثورة الرقمية ليست حدثا تقنيا فحسب، بل إنها بالتوازي حدث فلسفي، وكما كتب غاستون باشلار في عام 1934م أن “العلم يخلق الفلسفة فعلا”، سنرى كذلك كيف تخلق التكنولوجيا الفلسفة، وكيف أن الآليات والعلوم الرقمية نظريات مجسدة لما هو واقعي، أو فلسفات مُشيئة للواقع.

هذا لا يعني فقط –كما أكد من قبل بعض الباحثين_ أن “ما يوجد في الآلات هو من الواقع الإنساني، ومن الحركات والأنشطة الإنسانية في سياقات مختلفة، بل يعني ذلك أن الآليات التقنية وتلك العلوم كانت – وما زالت– “آلات فلسفية”، أي شروط ووسائط لإمكانية تحقق ما هو واقعي، أو بصيغة أفضل مولدات للواقع.

لذلك وجب علينا لفهم هذه العلوم تبيان الأسس التي بني عليها كل علم من العلوم الرقمية، والمنهجيات التي يتبعها لتحقيق أهدافه، كذلك دراسة التحديات الأخلاقية التي تنتج مصاحبة لهذا العلم أو هذا الوسيط الرقمي، ومن ثم دراسة نتائج هذه العلوم وآثارها على مجتمعاتنا سلبا وإيجابا.

قديما كنا نفرق بين ثقافتين: الثقافة العلمية والثقافة الأدبية، أما الآن فأصبح لدينا ثقافة تقليدية وثقافة رقمية، وأصبح كذلك لدينا وسيطين ثقافيين: الوسيط الثقافي التقليدي (الكتاب) والوسيط الثقافي الرقمي (العلوم ذات الطبيعة التفاعلية).

لقد فرضت العلوم الرقمية سلطتها بقوة وسرعة، وأصبحت تزاحم العلوم التقليدية بما تمتلكه من أدوات وتقنيات جديدة أتاحت لها التنوع والانتشار، وأضفت الإثارة والابتكار، وقد أسهمت في هذه الهيمنة الخطى السريعة التي يخطوها العالم الآن نحو رقمنة كل شيء.

المهارات الرقمية ضرورة عصرية ملحة:

باتت فلسفة العلوم الرقمية ضرورة ملحة في هذا العصر الرقمي، وهو ما يعني أنها تخصص جديد يضاف إلى تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث علت الأصوات وزادت الدعوات المنادية بضرورة نشر ثقافة التعليم الإلكتروني، فأصبح تحويل جميع العلوم إلى صورة رقمية ضرورة في زمن التعليم عن بعد، وخاصة بعد إعلان فيروس كورونا (كوفيد-19) جائحة عالمية، ومن ثم محاولة التغلب على تداعياتها بضرورة تقليل الاختلاط بين الناس منعا لانتشار الفيروس.

في الأخير، يمكننا التأكيد على ضرورة أن يتناسب التأهيل العلمي والأكاديمي لطلابنا اليوم مع مستجدات العصر الرقمي، وأن يتم الاهتمام بالعلوم الرقمية ودراستها وتدريسها في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، كأن يتم إنشاء برامج أو أقسام علمية رقمية مناظرة للأقسام العلمية التقليدية، أو تغيير طبيعة الدراسة لتدمج بين التأهيل التقليدي والتأهيل الرقمي للطلاب، إضافة إلى ذلك يمكن إنشاء كليات كاملة للعلوم الإنسانية الرقمية.

لابد كذلك أن يهتم الباحثون، خاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، بالتسلح بثقافة العلوم الرقمية ومهاراتها، حيث تستعد العلوم الرقمية لتغيير العلوم كما نعرفها، أو في أبسط الأمور صبغها بصبغة رقمية تكنولوجية تفاعلية، كما يُتوقع أن تؤدي العلوم الرقمية إلى موت عديد من العلوم التقليدية، واختفاء بعض الوظائف التقليدية إن لم تطور هذه العلوم من نفسها، وإن لم تزود دارسيها بمهارات تناسب التحولات الرقمية، وتضع في حسبانها سيطرة الآلة على شتى نواحي الحياة، فلابد أن ننضم إلى الرحلة ونسير مع القطيع وإلا سنضل الطريق ونضيع.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

في عصر البيانات الضخمة: كيف تفكر تفكيرا بياناتيا؟

التكنولوجيا وصراع البقاء

الأمية في عصر العلم والتكنولوجيا: كورونا ومحو الأمية العلمية

اظهر المزيد

د. وائل صبره

عضو هيئة تدريس بجامعة سوهاج، مدرس الفلسفة ومناهج البحث كلية آداب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى