مقالات

مفهوم السعادة في الفكر الفلسفي اليوناني – الجزء الأول

بداية.. رب سائل يجابهني بسؤال، لماذا بدأت بالفكر اليوناني ولم تبدأ بحضارات الشرق القديم؟ أو حتى تبدأ بتخصصك الدقيق الفكر الفلسفي الإسلامي؟!

وهذا سؤال منطقي ومشروع، لكن لنا رد عليه، نقول صحيح ولا ينكر ذلك إلا جاحد أو معاند أو مكابر، أنه كان لحضارات الشرق القديم دور فاعل في بناء الفكر الأخلاقي عند اليونان، لا ننكر ذلك، ولكن بناء النظرية الأخلاقية لم تتحدد أركانها إلا مع فلاسفة اليونان أصحاب الرؤية العقلانية ولا سيما أرسطو طاليس، على النحو الذي سنعرضه لاحقا.

أما الشق الثاني من السؤال لم لم أبدأ بالفكر الفلسفي الإسلامي، خصوصا وأن حتى المتكلمين المعتزلة والأشاعرة والماتريدية كان لهم فكر أخلاقي تمثل في موقفهم من قضية الخير والشر والحسن والقبح،

لكن نقول وبمنطق العقل أن الفكر الفلسفي الإسلامي استقى روح معرفته من الفكر الفلسفي اليوناني عن طريق ترجمات مؤلفات فلاسفة اليونان -صحيح لم يكونوا نقلة ومقلدين وتابعين ونحن نرفض التبعية البغيضة، وإنما ظاهرة التأثير والتأثر لإثراء الفكر الإنساني وجد هي ظاهرة محمودة غير مرذولة- لذا آثرنا أن نبدأ بفلاسفة اليونان.

الفرق بين اللذة والسعادة:

اللذة

تعالوا معي أصحاب العقول المستنيرة المتفتحة نطوف بكم حول هذا المفهوم. نبدأ بطرح سؤال مهم، من منا في عصرنا هذا بكل ما فيه من كادورات تعكر صفو الإنسان -إنسان العصر وحتى كل العصور السالفة- لا يرغب في الوصول إلى سعادة دائمة تجعله يقضي نهاره سعيدا منشرح الصدر، ويمضي ليله كذلك على حالته، في سعادة دائمة؟

يا سادة، لا بد أن نفرق بادئ ذي بدء بين مصطلحين قد التبس فهمهما عند كثير من الناس، اللذة والسعادة. اللذة تعني المتعة والاستلذاذ بالشيء، واللذة حسية وقتية تزول بزوال المؤثر، مجرد أن يأكل الإنسان ويشبع نهمه لشهوة الطعام تزول لذته، وهكذا دواليك في كل ما يشبع حاجات الإنسان البيولوجية والفسيولوجية ولا مندوحة عن ذلك، فالإنسان بما هو كذلك يحب المأكل والمشرب والملبس والجنس وما شابه ذلك كمقومات لوجوده، لكن دون إفراط أو تفريط، أي لا يهمل بالكلية ولا يسرف بالكلية.

السعادة

أما السعادة -وهذا غرضنا من مقالنا- فهي التي تظل باقية لا تزول بزوال المؤثر لأن مبناها العقل الذي يسيطر بدوره ويكبح جماح شهوات وملذات الجسد، فيجعل الإنسان معتدلا لا يميل بكليته إلى إشباع الجوانب المادية ولا كذلك الإسراف والمغالاة في الجوانب الروحية، وهنا تتحقق السعادة المرجوة.

فتكمن سعاداتنا في اعتدالاتنا وفي وسطيتنا، فبالاعتدال القائم على العقل تحصل لنا السعادة المرجوة من حياتنا، فليس من اللائق أن نفني أعمارنا لهثا وراء شهواتنا، ومن يفعل ذلك تكون حياته أشبه بحياة البهائم والأنعام.

وليس من المعقول أيضا أن نفني أعمارنا قديسين ورهبانا، بل لنا متطلباتنا ولنا حياتنا التي أمرنا الله أن نحياها، لكن سعادتنا في المواءمة والتوفيق بين الجانبين المادي والروحي.

السؤال..

هل تحدث الطبيعيون الأوائل عن السعادة بمفهومها الذي ذكرته؟ أم جاء حديثهم عن اللذة؟ هل تحدث هيراقليطس -فيلسوف التغير وأن الكون في حالة صيرورة مستمرة وتغير دائم- عن السعادة؟ أم جاء حديثه عن اللذة؟ هل تحدث أنباذوقليس عن السعادة؟ هل تحدث السوفسطائي بروتاجوراس جورجياس عن السعادة؟

هل تحدث ديمقريطس فيلسوف الذرة عن السعادة؟ ما مفهوم السعادة عند سقراط؟ هل هي في المال، الجاه، السلطان، الجمال؟ هل العدالة القائمة على عقلانية الفيلسوف عند أفلاطون تحقق السعادة؟

هل الوسط الاعتباري عند أرسطو يحقق الطمأنينة العقلية التي يستشعر معها الإنسان سعادته ويشعر بكيانه وكنهه الحقيقي؟ هل الحدس والجذب والوجدان الذي حدثنا عنه أفلوطين وتواصل النفس الإنسانية مع العالم الآخر المفارق -عالم المجردات اللا متناهي- يحقق للإنسان سعادته؟

هل ما حدثنا عنه صغار السقراطيين -المدرسة الكلية والمدرسة القورينيائية- سعادة أم لذة ألبسوها ثوب السعادة؟ وإذا ما ذكرنا هاتين المدرستين فلا بد لنا أن نتوجه بعقولنا قبل قلوبنا إلى مدرستي العصر الهلينستي _الذي ارتبطت فيه عقلانية اليونان بشرقية وروحية وتصوف الشرق_ مدرستي الإبيقورية والرواقية وما موقفهما من السعادة.

جد ما أحوجنا إلى الكتابة عن هذا الموضوع لما له من أهمية بالغة تؤثر تأثيرا فاعلا في واقعنا المعيش لعلنا نجد ضالتنا المنشودة والوصول إلى السعادة الحقيقية التي تجعلنا نشعر بالرضا عما نفعله من أفعال ونقوله من أقوال، تابعونا في هذه السلسلة.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

إنسان اللذة والهروب من الألم

منتجعات السعادة

لم يكن الأمر ممتعًا كما تخيلته، لماذا؟ وأين هي السعادة !

أ. د. عادل خلف عبد العزيز

أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

مقالات ذات صلة