مقالات

مشايخنا وحُجة الصوت المرتفع!

حجة العقل أقوى بلا شك من حجة الصوت المرتفع ، وسلاسة الأفكار الهادئة تبلغ من القلب والعقل ما لا يبلغه الصراخ أو المظهر!

أمقت الصوت المرتفع ، لكن من المؤسف أننا محاطون بأشخاصٍ لا يملكون أية موهبة إلا الصراخ، غير مبالين بما قد يعكسه صراخهم من ضعف للحجة، أو تأثير منفّر لدى المتلقي! وحين قال «سقراط» لتلميذه الصامت المزهو بنفسه: «يا هذا: تكلم حتى أراك»، كان يعي جيدًا أن قيمة المرء وشخصيته في فكره، لا في ضخامة صوته أو في هيبة مظهره أو فيما يحوزه من متاعٍ زائف..

لم يقل له: يا هذا أرني قوة حنجرتك، أو أرني مقدار أموالك أو متاع بيتك وعملك كي أعرفك، بل قال له: تكلم حتى أراك، حتى أعرف حقيقة ذاتك: أخاويةٌ هي أم عامرة؟! ولا غرو، فالذوات صناديق مُغلقة، مفاتيحها الكلام، وبالكلام المنطقي الهادئ (منطوقًا ومكتوبًا) نستطيع أن نُدرك حجم المرء وقيمته ومقدار علمه ورُقي أو تفاهة فكره.

أدرك «سقراط» بعبارته الجامعة المانعة أن ثمة أناسًا يخلعون القيمة بفكرهم وعملهم على ما يشغلونه من أماكن ووظائف ومناصب، وعلى ما يتدثرون به من ثياب أو ما يمتلكونه من متاع، وأن ثمة أناسًا يستمدون كل قيمتهم من الأماكن والوظائف والمناصب التي يشغلونها، ويعمدون إلى تحقيق ذواتهم بدثارٍ زائف أطول من قاماتهم، أو بصراخٍ ممقوت تُطلقه حناجرهم، هؤلاء هم آفة مجتمعاتنا العربية..

قد يُدركون وقد يُدرك الناس، وقد لا يُدركون ولا يُدرك الناس، أنهم مُسطَّحون، مُنبطحون، جاهلون، أفَّاقون، فارغون، وتافهون.. لكنهم إذا ما خلوا إلى أنفسهم الأمارة بالوهم خُيّل إليهم من تضخمها الكاذب أنهم أشباه آلهة! وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خُشب مُسنَّدة، يحسبون كل صيحةٍ عليهم، هم العدو فاحذرهم!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

حوار مع الخطيب

أذكر أنني في إحدى خُطب الجمعة (التي كنت قد اعتدت أن أصطحب فيها ابني الصغير، وكان لم يتجاوز الخامسة)، سألني الصغير بعفوية وعلى وجهه علامات الخوف: «بابا، هو الشيخ بيزعقلنا ليه؟»!

احتضنته وهدأت من روعه، وبعد انتهاء الخطبة والصلاة شرحت له حقيقة الموقف بما يستطيع استيعابه، ثم حاولت طمأنته بأن اصطحبته إلى الشيخ لمصافحته والحديث معه، وتركته يداعبه بابتسامة. وقتئذٍ حاججت الشيخ بسؤال الصغير، فحاججني بحديث «جابر بن عبد الله» –رضي الله عنهما– حيث قال: «كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم– إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم مسَّاكم…» رواه مسلم.

قلت له: لم يكن لدى رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه) مكبرات للصوت كتلك التي تملأ المساجد وتزين المآذن، وكان لا بد لصوته أن يعلو ليصل إلى كافة حشود المسلمين لا سيما الأبعد منهم، ولم تكن ثمة مساجد متقاربة يتبارى الخطباء صراخًا فوق منابرها عبر مكبرات الصوت، فتتداخل الأصوات ويضيع المعنى، ولم تكن ثمة تحزبات دينية ينتمي إليها ويختلف وفقًا لها الخطباء وتُصنف المساجد، فيصطبغ صراخهم بصبغة الفرقة.. إلخ!

الصوت وسيلة راقية

جادلني الشيخ بأن رفع الصوت ضرورة من ضرورات الخطبة، وبدون ذلك قد يفقد المتلقون تركيزهم! فذكرته بمقولة القرطبي –رحمه الله: «كونه –صلى الله عليه وسلم– تحمرّ عيناه، ويعلو صوته، ويشتدُّ غضبه في حال خطبته، كان هذا منه في أحوال.

وهذا مشعر بأن الواعظ حقه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ما يطابقه؛ حتى لا يأتي بالشيء وضده ظاهر عليه. وأما اشتداد غضبه فيحتمل أن يكون عند نهيه عن أمر خولف فيه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان».

أضفت: الصوت وسيلة راقية للوصول إلى قلب من تحب، وإلى من تخاطب، وإلى شخص ما في الطرف الآخر! الصوت بدرجاته، حدته ورقته وانخفاضه وارتفاعه المقبول غير المنفر، ولو كان لدى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكبرات للصوت فلربما اختلف الأمر. أما عن تركيز الناس فتستطيع المحافظة عليه بسلاسة التعبير وجاذبية الموضوع وقوة الحجة!

هنا بدأ صوت الشيخ يعلو.. فابتسمت.. وابتسم!

اقرأ أيضاً:

النقاشات بين الحقيقة والعبث

كهنوت العلم

قراءة في “دليل أكسفورد في الدين والعلم

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة