فن وأدب - مقالاتمقالات

لماذا خذلت السينما المصرية قضية فلسطين؟

قضية فلسطين هي قضية كل إنسان حر وليس كل عربي فقط، قضية العدل والحق، والكيان الصهيوني هو العدو الأبدي والتاريخي، ولن تفلح محاولات تحييد مشاعرنا من خلال الحديث عن السلام وأن أكتوبر هي آخر الحروب ما دامت فلسطين ليست ملكا لأصحابها.

ورغم ذلك لم تكن في أولويات السينما المصرية والفن المصري، لم يتم تناولها بما يناسب أهميتها الإنسانية والتاريخية، ولا أنها تخص كل عربي وتنعكس على كل الوطن العربي، تناولتها السينما المصرية بشكل هامشي وسطحي ودون تعمق، رغم تاريخ السينما المصرية الكبير الممتد منذ عام 1927 إلا أنها لم تطرق إليها إلا بعد ذلك بسنوات وتحديدا في عام 48، رغم أن الأزمة بدأت مع وعد بلفور المشؤوم وأزمة سايكس بيكو،

في هذه الفترة كان هناك مبرر أن مصر كانت تحت الاحتلال البريطاني وهو الداعم الرئيسي للكيان الصهيوني، وأيضا كانت السينما وليدة وتحاول أن تقدم موضوعات غنائية ورومانسية بهدف جذب الجمهور لها وتحقيق نجاح تجاري يضمن لها الاستمرار في ظل تراجع الانتاج بسبب الحرب العالمية الثانية، لكن بعد ذلك لم يكن هناك مبرر من التخاذل والتغافل.

أفلام تناولت قضية فلسطين

أول الأفلام التي تناولت قضية فلسطين كان “فتاة من فلسطين” والذي عُرض في نوفمبر 48 إنتاج عزيزة أمير وتأليف محمود ذوالفقار وبطولتهم أيضا، تدور أحداثه حول ضابط في الجيش المصري يستبسل في الدفاع عن أرض فلسطين، ويُصاب في الحرب وتنقذه فتاة فلسطينية وتستضيفه في بيتها لعلاجه ويكتشف أن منزلها هو مقر للفدائيين، يقع في حبها ويتزوجها وينضم للفدائيين وتستمر المقاومة، أكد الفيلم من خلال قصته على وحدة المصريين والفلسطينيين ضد العدو الصهيوني، وحقق الفيلم نجاحا كبيرا رغم المخاطرة بنزوله وسط أفلام رومانسية وغنائية.

تعاود عزيزة أمير المحاولة في العام التالي من خلال فيلم “نادية” من بطولتها وإخراج فطين عبد الوهاب، والذي عُرض في فبراير 49، تدور أحداث الفيلم حول نادية الأخت الكبرى التي ترعى أخواتها بعد وفاة الأب والأم، ويكبر الأخ ويدخل الكلية الحربية ثم يشارك في حرب فلسطين ويستشهد على أرضها.

بعد ثورة 52 تم تقديم عِدة أفلام تتحدث عن حرب فلسطين فقط ، من أجل الحديث عن صفقة الأسلحة الفاسدة واتهام النظام السابق بالفساد وأنه المسؤول عن ما حدث مثل “الله معنا، أرض الأبطال”، الذي تم إنتاجه بأمر مباشر من جمال عبد الناصر، واتسمت هذه الأفلام بالضعف والمباشرة والخطابة، كما لم تحضر القضية الفلسطينية في الأحداث بشكل مباشر ولم يتم التطرق لمعاناة أصحاب الأرض والحق وطردهم من وطنهم.

وفي عام 57 قدم كمال الشيخ فيلم “أرض السلام”، وتدور أحداثه حول مجموعة من الفدائيين المصريين وما قاموا به من عمليات ضد العدو في أرض فلسطين، ويضطر أحدهم للاختباء في قرية صغيرة، وبها يتعرف على فتاة فلسطينية تساعده ويشتركان في المقاومة ويقع في حبها ويتزوجان.

تراجع ثم عودة

بعد ذلك حدث تراجع للأعمال التي تتحدث عن فلسطين أو حتى حرب 48 بعد أن تم الحديث عنها وعن فساد الملك والأسلحة الفاسدة وانتهى الأمر، ركزت السينما المصرية بعد ذلك في أفلام تعبر عن كفاح الشعب المصري ضد الإنجليز والملك، وأفلام أخرى متنوعة كوميدي، غنائي، اجتماعي، حتى حدثت نكسة 67 وحدث تحول كبير في السينما المصرية وما تقدمه،

وقدم علي عبد الخالق أغنية ع الممر والذي عُرض في عام 72 وتحدث عن فكرة المقاومة ضد العدو حتى بعد تخاذل القيادة وعدم استجابتها لاستغاثة الجنود من خلال جهاز الإرسال الذي ظنوا أنه تعطل، وينتهي الفيلم بغناء الجنود لأغنية حماسية تدعو للمقاومة ويعلو الصوت تدريجيا حتى يغطي على صوت العدو الذي يطلب منهم الاستسلام.

وبعد نصر أكتوبر تم تقديم عدد من الأفلام عن الحرب بدعم من السادات من أجل تأريخ النصر وعهده، كما تم تقديم أفلام عن الاستعداد للحرب من خلال حروب المخابرات وأجهزة الدولة (بئر الخيانة، إعدام ميت، مهمه في تل أبيب، 48 ساعة في إسرائيل، فخ الجواسيس) ورغم تباين مستوى هذه الأفلام بين الضعيف والجيد إلا أنها حافظت على وجود العدو الصهيوني في المواجهة.

يعتبر فيلم “الظلال على الجانب الآخر” أحد أهم الأفلام التي تم تقديمها عن القضية الفلسطينية، للمخرج الفلسطيني غالب شعث، ومن بطولة محمود يس، نجلاء فتحي، أحمد مرعي، استطاع المخرج من خلاله تشريح المجتمع العربي وأسباب نكسة 67 ومسؤولية الشعوب قبل الحكام، ورغم أن الفيلم إنتاج عام 73 إلا أنه لم يعرض إلا في عام 75، وتعرض للهجوم من الأبواق الحكومية مع بداية عصر السلام وكامب ديفيد، واستمر الهجوم والتضييق على المخرج بدعم ومساندة يوسف السباعي وزير الثقافة في هذا الوقت حتى رحل عن مصر واختفى الفيلم للأبد.

عصر الانفتاح وتراجع مرة آخرى في الحديث عن القضية

مع بداية عصر الانفتاح والسداح مداح تراجع الحديث عن القضية الفلسطينية وعن العدو الإسرائيلي نزولا على رغبة النظام وقتها، كما انشغل صُناع السينما بمواجهة قيم الانفتاح والنفعية وما تبعه من تغيير في الشخصية المصرية، ولم يخرج من هذا الإطار إلا المخرج عاطف الطيب عندما قدم عملين من أهم الأفلام في هذه المرحلة “كتيبة الإعدام” عام 89، والذي تناول مفهوم الخيانة والرفض الشعبي للتطبيع وإن العدو الأبدي ما زال هو العدو رغم أي معاهدات أو اتفاقيات،

ثم قدم فيلم “ناجي العلي” عام 92، والذي تناول سيرة الفنان الفلسطيني ناجي العلي ورحلته إلى لبنان ثم الكويت مع الحرب الأهلية في لبنان، ثم إلى لندن ونضاله ضد العدو الصهيوني، حتى اغتياله ومن تورط في قتله، وبسبب هذا الفيلم تعرض عاطف الطيب ونور الشريف لهجوم كبير واتهام بالخيانة ومنع أعمالهم، مما اضطر نور إلى نقل إقامته إلى لندن لفترة مؤقتة.

بعد ذلك دخلت السينما المصرية في موجة الكوميديا والسينما النظيفة حتى من الأفكار والمضمون، واكتفى صُناع السينما بمشاهد معدودة ضمن سياق الفيلم مثل حرق العلم الإسرائيلي في فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية، أو شخصية اليهودي الشرير في فيلم همام في أمستردام، أو مشهد الفدائي في فيلم أصحاب ولا بيزنس.

أفلام آخرى تناولت القضية بصور مختلفة

في عام 1999 قدم محمد راضي فيلم “فتاة من إسرائيل” من إخراج إيهاب راضي وبطولة محمود يس، فاروق الفيشاوي، والذي تناول التطبيع والعلاقات مع إسرائيل من خلال محاولة دكتور إسرائيلي وابنته لاستقطاب شاب مصري للسفر والعمل في إسرائيل كما عملوا على إدمان باقي الشباب للمخدرات في إشارة لانتقال الحرب بيننا وبينهم لصورة وشكل آخر.

وفي عام 2005 قدم عادل إمام فيلم “السفارة في العمارة”، وهو فيلم داعم للتطبيع بكل وضوح، حيث وضع كاتب الفيلم يوسف معاطي الحياة المُرفهة والمُريحة نتيجة للموافقة على التطبيع والترويج له، أو تحمل تبعات مناصرة القضية من طرد وحصار وربما سجن، روج العمل للتطبيع دون صخب وضجيج كما حدث في الخليج مؤخرا عندما احتفلوا بالتطبيع وكأنه نصر مبين.

في نفس العام قدم يسري نصر الله رائعته الكبيرة فيلم “باب الشمس” الجزء الأول بعنوان الرحيل، والثاني بعنوان العودة، وهو عمل ملحمي عن القضية الفلسطينية من خلال قصة حب لبطل مقاوم يغادر القرية في حين تظل زوجته متمسكة بالبقاء ويظل هو يحاول على مدار عشرين عاما التسلل من لبنان والعودة لقريته ومقابلة زوجته في مغارة باب الشمس وينجب منها طفلا، الفيلم ليس مجرد صورة نمطية عن المحتل والتفجير وحرق العلم، ولكنه يحمل روحا عقلانية للقضية الفلسطينية وصورة إنسانية للمناضل الفلسطيني، وقد حقق الفيلم نجاحا كبيرا عند عرضه في أوربا، بينما لم يعرض في الوطن العربي.

السينما المصرية تستطيع أن  تقف ضد العدو

وفي النهاية يمكننا القول بأن السينما المصرية خذلت القضية الفلسطينية، ولم تقدم المرجو منها في مناصرتها ودعم حق الشعب الفلسطيني، لم تقدمها كقضية رئيسية تخص الوطن العربي كله من المحيط للخليج ونتائجها تنعكس على الجميع وليس أصحابها فقط، منذ نكبة فلسطين وحتى الآن قدمت عددا محدودا من أفلام متباينة المستوى كلها لم تتعمق في القضية وأسبابها ولا نتائجها، الآن وبعد أن هرول الخليج كله على التطبيع، أصبحت السينما المصرية في أزمة حقيقية، لأنها في الأساس تعتمد على الخليج سواء في التمويل والإنتاج أو في التوزيع، وأصبح الآن غير مقبول تقديم أو تمويل عمل يتناول حق الشعب الفلسطيني وفضح دولة الاحتلال، لكننا نثق أن السينما المصرية قد تستطيع تجاوز كل هذا وتقف كعادتها مع أصحاب القضية ضد العدو الأبدي والتاريخي لنا جميعا.

اقرأ أيضاً:

كيف يدافع الفن عن قضية؟

الفيلم المصري بين السرقة والتزييف

فلسطين

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة