مقالات

لا أستطيع التنفس!

« لا أستطيع التنفس !» I can’t breathe شعار يسود العالم الغربي اليوم انطلاقا من أرض تتغنى بالحرية والمساواة منذ زمن طويل: الولايات المتحدة الأمريكية!

كان الشعار في الأصل كلمات رددها إثنان من الأمريكيين السود قبل أن يلقيا حتفهما بشكل عنصري بشع. الأول هو «إريك جارنر» Eric Garner الذي مات مختنقا في نيويورك يوم السابع عشر من يوليو سنة 2014، بعد أن أحكم شرطي يدعى «دانيال بانتاليو» Daniel Pantaleo ذراعه حول عنقه فمنع عنه الهواء، ولم تكن تهمته التي نفاها بشدة سوى بيع سجائر فرط دون طابع دمغة ضريبي!

والثاني هو «جورج فلويد» George Floyd الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في مينيابوليس بمينيسوتا يوم الخامس والعشرين من مايو 2020، بعد أن ضغط ضابط شرطة يدعى «ديريك تشوفين» Derek Chauvin بركبته على رقبته لمدة تسع دقائق، بينما كان الضحية ملقى على الأرض مقيد اليدين من الخلف، وكانت تهمته استخدام ورقة نقدية مزيفة بقيمة عشرين دولارا في أحد الأسواق!

الغريب والمخزي أن الأول ردد عبارة « لا أستطيع التنفس » إحدى عشرة مرة، بينما ظل الثاني طوال فترة الضغط على عنقه يردد: « لا أستطيع التنفس »، «أمي»، «من فضلك!» ليس ذلك فحسب، بل إن الضابط الذي قتل الأول قد سبق اتهامه مع آخرين سنة 2013 بإجبار رجلين أسودين على التجرد من ملابسهما تماما على قارعة الطريق بحجة التفتيش. أما الضابط الذي قتل الثاني فقد قام ثلاثة من زملائه بمساعدته في تقييد الضحية، ومنعوا أي شخص من التدخل!

105041664 263240538455647 5369273998264372832 n - لا أستطيع التنفس!

(Political Cartoon: The Statue of Liberty Can’t Breathe, Wilkinson, 2020)

 الفيروسات البشرية

«لا أستطيع التنفس!» لم تعد العبارة مجرد شعار أو عنوان كتاب أو أغنية أو هاشتاج على مواقع التواصل الاجتماعي _وهي كذلك بالفعل_ بل باتت صرخة تموج بها صدور المعذبين في كل بقعة من بقاع العالم، « لا أستطيع التنفس » ليس فقط بسبب الفيروس التاجي الذي احتل هواءنا وأجبرنا على تغطية أنوفنا وأفواهنا وألقى بنا في سجون بيوتنا،

ولكن أيضا بسبب الفيروسات البشرية التي لا تفتأ تفتك بآلاف البشر بدافع الهيمنة والسلطة والقبح العنصري الذي استوطن القلوب والعقول، العدالة لا يمكنها أن تتنفس، الوعي يعجز عن التنفس، الديموقراطية المزعومة لا تستطيع التنفس، الأوطان تستجدي ولو نسمات قليلة من هواء الحرية، الحق في الحياة يدهس بأقدام الجهل المقدس،

إنها الجاهلية المهاجرة داخل نفوس القوم تزيح ستار الزيف المزين بالحضارة، وما بين البؤس واعتلال الصحة والقهر والظلم والكراهية والعنصرية والتعصب للدين أو اللون أو العرق، يفصح الحاضر عن مزيد من الإرث العفن لمسيرة الإنسان فوق الأرض!

 حر في النهاية

كأني أسمع اليوم تلك الكلمات التي رددها «مارتن لوثر» Martin Luther قبل اغتياله: لدي حلم! لكن حلمه كان كابوسا، فالحرية في هذا العالم الوقح لا تعنى سوى الموت، وها هو اليوم حر، هكذا كُتب على مقبرته: «حر في النهاية! حر في النهاية! الحمد لله رب العالمين، أنا حر في النهاية!».

وعلى الله قصد السبيل، والله أعلم

اقرأ أيضا:

جورج فلويد

الحرية الفكرية وإشكالية التطبيق

إنسان القبيلة                                                                                                                 

الوسوم
اظهر المزيد

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق