قضايا وجودية - مقالاتمقالات

كن جميلًا ترى الوجود -على حقيقته- جميلًا

ما هو الجمال؟

الشيء الجميل هو الباعث على البهجة والسرور في النفس، فهو الذي عندما تراه أو تدركه تنشرح نفسك وتبتهج وتلتذ.

ما سبب الجمال؟

لكن ما هي الأشياء التي تبعث هذه البهجة في النفس؟

عندما نرى الكمال في شيء ما فإننا نراه جميلًا، فهذا رجل شهم ذو خُلق فنراه جميلًا، وهذه امرأة تتزين بأفضل وأكمل الأزياء فنرى في ذلك جمالًا.

فما يجعل شيئًا ما جميلًا هو أن يكون به كمال، وأن ندرك ونرى هذا الكمال، فسبب الجمال هو الكمال.

ما هو الكمال؟

كمال الشيء هو أن يوجد في أفضل صورة تلائمه، فكمال العضلات أن تشتد قوتها، وكمال العين أن تبصر بشكل سليم، وكمال النار أن تحرق بشدة، وهكذا.

ما سبب الكمال؟

كمال الشيء هو ما يلائم طبيعته وماهيته، فكمال النار أن تحرق لأن طبيعتها هي أن تحرق، وكمال العين أن تبصر لأن ماهيتها تقتضي أن تبصر.

فالكمال سببه وجود شيء، ووجود صفات تلائم ماهيته.

ما هو النقص؟

والنقص هو عدم الشيء، أو عدم صفاته الملائمة لماهيته.

وإذا تأملنا في العالم وجدنا أنه لا توجد أشياء تنعدم تماما، بل هي فقط تتحول من صورة إلى أخرى، وهذا التحول إن كان نقصًا وعدمًا للصورة الأولى فهو وجود وكمال للصورة الثانية، وإن كان غير ملائم للصورة الأولى فهو ملائم للثانية.

فالشجرة تنعدم لتنتج خشبًا، والخشب ينعدم لينتج طاولة، والطاولة تنعدم لتنتج حطبًا، والحطب ينعدم لينتج ترابا، والتراب ينعدم لينتج نباتا، وهكذا.

فلا وجود للعدم التام أو النقص الحقيقي، ولا وجود إذن للقبح الحقيقي.

كل وجود كمال وجمال:

وبالتالي فكل شيء موجود كمال وجمال وخير.

ما سبب الوجود والماهيات؟

والأشياء والموجودات التي نراها توجد أمامنا تحتاج لموجد أو سبب، وهذا السبب يحتاج لسبب آخر، وهكذا إلى أن نصل لضرورة وجود سبب أول لا يحتاج لسبب يسبقه، لأنه لو لم يوجد سبب أول لما وجد الثاني ولما وجد الثالث وهكذا، فلن يوجد أي شيء.

فسبب الموجودات والماهيات والأشياء الموجود حولنا هو المسبب الأول، وهو الإله.

هو مصدر كل موجود، وكل موجود هو كمال وجمال كما سبق.

كمال وجمال السبب الأول:

قلنا إن سبب الجمال والكمال هو الوجود، فكل موجود كامل وجميل.

وقلنا إن النقص أو القبح بالنسبة لشيء ما هو انعدامه وتحوله لشيء آخر.

والمسبب الأول وجوده تام وأزلي، فلم يكن معدوما ثم وُجد، ولن ينعدم أبدًا، ولا يحتاج لموجد له، ولا يعتريه عدم أو نقص، ولا يتغير أو يتبدل من شيء لشيء آخر؛ فله إذن الوجود المطلق، وبالتالي له الكمال المطلق والجمال المطلق.

كمال وجمال الكون:

وكل الموجودات كما قلنا كاملة جميلة، كما اتضح أن مصدرها وسببها هو الكمال والجمال المطلق، والنتيجة مجرد أثر لسببها ومصدرها، فأثر الجميل جميل، فالكون جميل بجمال مصدره وموجده.

لماذا لا ندرك كل هذا الجمال؟

نغفل عن هذا الجمال بسبب جهلنا أو غفلتنا عن هذه المعاني، أي بسبب نقص وقبح في تفكيرنا أو نفوسنا، فإن أزلنا الجهل باستعمال التفكير السليم، وأزلنا الغفلة بالالتفات المستمر لهذه المعاني؛ ذُبنا عشقًا في هذا الجمال التام.

أين هذا من تفاصيل حياتنا؟

ما سبق يناسب أهل التفكير والتدبر، أما أهل الغرق في التفاصيل فيمكنهم أن يلاحظوا جزءًا صغيرًا من هذه المعاني عند تأملهم في التفاصيل من حولهم بهدوء ودون انفعال.

فمثلًا الصحة أكثر بكثير من المرض، فعدد الأصحاء أكثر بكثير من عدد المرضى، والمرضى يمرضون لفترة محدودة فقط في حياتهم، أوفي جزء أو عضو معين فقط من أجسادهم، لكن بقية حياتهم وبقية أجسادهم صحيحة ومعافاة، وإلا لانقرض البشر فورًا.

وأهل العقل أكثر من أهل الجنون، فكم مجنونًا تعرفه أنت بشكل شخصي؟

والأسوياء أكثر من المجرمين، فكم مجرمًا تعرفه أنت على المستوى الشخصي بعيدًا عن تهويل الإعلام والأفلام؟ ولو كانت أغلبية البشر مجرمين لانهارت المجتمعات وانتهت، بل حتى كثير من المجرمين يرتكبون الجرائم لأغراض يرونها خيرا! فهم يطلبون خيرا لكنهم ضلوا! مثل من يقتل دفاعا عن الوطن فيتورط في حرب ظالمة، ومثل من يطلب الاستقرار فيظلم البعض، ومن يطلب احتياجاته الأساسية بالسرقة، وهكذا.

وأيضًا ما نراه نقصًا وفناءً ودمارا وخرابا نجده خيرا وكمالا وجمالا من زوايا أخرى عديدة، فالزلازل والبراكين مثلا ضروريان بشدة لتشكل الأرض وغلافها بشكلها الحالي، وهو الشكل المؤدي لوجود الحياة، وبدونهم تهلك الأرض وحياتها. والافتراس الذي نراه شرًا في الطبيعة ضروري للحفاظ على الاتزان البيئي، فعندما يتدخل الإنسان أحيانا بقتل بعض الحيوانات المفترسة تفسد دورة الطبيعة ويختل التوازن البيئي ويحصل انحراف كبير كما اتضح للإنسان في مرات عديدة.

دور الإنسان:

والإنسان وجوده أيضًا كمال وجمال، وامتلاكه للعقل -الذي يجعل لديه القدرة على الاختيار- كمال وجمال، فهذا العقل يجعله قادرا على معرفة الحق وعمل الخير والتقرب من المسبب الأول الجميل الكامل، وهذا كله كمال وجمال.

وماهية الإنسان تتميز بالعقل، وكمال الشيء هو ما يلائم ماهيته كما سبق، فيجب على الإنسان أن يسعى لتحكيم عقله في حياته، فيسعى لمعرفة الحق وعمل الخير والتقرب من المسبب الأول ذي الكمال والجمال المطلق.

عندها يصبح الإنسان جميلا، ويرى الوجود على حقيقته جميلًا، ويجعل العالم مكانا أجمل بإعطاء الموجودات الأخرى حقوقها وما يلائم ماهيتها فتصبح أجمل.

جمال على جمال!

فمصدر هذا العالم هو الجمال المطلق، والعالم نفسه جميل بديع يتقلب من جمال لجمال، والإنسان كائن حقيقته هي الجمال، وأعطاه المسبب الأول القدرة على أن يكون أجمل، وعلى أن يجعل العالم أجمل، إذا اختار أن يتوجه ناحية الجمال المطلق.

اقرأ أيضا:

الجمال! هو فيه كده؟

هل الكون منظم؟ وما هو دور الإنسان فيه؟

كيف ينقذ الإنسان روحه؟

الوسوم
اظهر المزيد

أحمد عزت هلال

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق