قضايا شبابية - مقالاتمقالات

كل مألوف غير ملحوظ

موقف (١)

مجموعة أصدقاء اجتمعوا ذات مرة فبدأ أحدهم حديثه بأنه قد رأي هاتف جديد بمواصفات خيالية واستمر في ذكر مميزاته، وبعدها قال إنه مل من هاتفه القديم، وبدأ آخر مؤيد له بأنه كذلك قد مَلَّ من هاتفه وربما يشتري هو الآخر، وقال ثالثهم أنه يريد فعلاً ويعزم على تغيير هاتفه حين يكون لديه ثمنه، وبدأ رابعهم قائلاً أنتم كذلك دائمًا عندما ترون شيئا جديدًا تطير عقولكم فتشتروه،

أما خامسهم فقال؛ هاتفي له معي ما يقارب عام ونصف واعتقد أنه يسد كل ما أحتاجه منه؛ فإني استخدمه في التواصل مع الآخرين وتصفح الانترنت وبعض الأمور كحفظ أمور شخصية مهمة وأعتقد رغم أنه متوسط الإمكانات لكنه جيد جدًا بالنسبة لي فلا يهمني أن يكون جديد أو أنه من أفضل الشركات العالمية، يكفيني فقط أن يقضي لي ما أحتاجه منه كوسيلة اتصال وتصفح الانترنت وحفظ بياناتي .

موقف (٢)

اجتمع ثلاث أصدقاء مقربون في نهاية العام وبدأ أحدهم كلامه بأنه كان عام سيء قد مر به، فهو عند قرب امتحانات العام قد أصيب بكسر في زراعه في ماتش كرة قدم مع أصدقائه ولم ينتهِ الأمر إلي هذا الحد بل لم يستطع أن يدخل امتحانات الترم الثاني؛ فبذلك سيضطر لإعادة عامه القادم.

وبدأ الآخر مواسي له قائلاً احمد ربك؛ فأنت أمامك عام فقط وسوف تقضي ترم بالكامل بدون دراسة بعكسنا نحن؛ فما بالك في أني كنت قد أوشكت على الانضمام للنادي الذي أحبه بتدريب استمر أكثر من عامين، كنت أعود كل يوم من التدريب وأنا بالكاد أستطيع المشي ثم بعد أن آكل أضع رأسي على الوسادة فأغرق في ثبات للصباح وأعاود دائرتي اليومية ما بين الكلية إلي النادي وحين قرب موعد اختبار القدرات للنادي وقعت وأنا أنزل السلم متجهًا للاختبار وانكسرت قدمي وضاعت فرصة عمري بالالتحاق بالنادي الذي أحبه وأحلم به.

الخير فيما هو آت

وقال الثالث وكأنكم تحكون لي نفس ما حدث معي ولكنه في مواقف وأشياء مختلفة؛ فقد كان لدي ذات مرة فرصة للالتحاق بكلية دائما ما انتظرت الالتحاق بها ورغم ذلك حين أتيت للتقديم وجدت أنها لم تقبل إلا مجموع بحد أدني أعلي من مجموعي وحين ذهبت أبحث عن أخري في أي محافظة وجدتها في أقصي المحافظات والذي أجبرني على التغرب فترة دراستي ولكن أتعلمون أنني تعلمت درسًا مُهما من ذلك الحدث؛ وهو أن المرء حين يسعي لشيء ما يظن أن نظرته عن ذلك الشيء سليمة تمامًا.

وأن ذلك الشيء بتحقيقه سيحصل على سعادته، ولكن في الحقيقة أن السعي نفسه لنيل ذلك الشيء هو الذي كان فيه سعادة مخفية لم نلاحظها فحين تغربت في دراستي الجامعية حصلت على أشياء في شخصيتي لم أكن أبدًا لأحصل عليها بدون حدوث هذا الأمر والانتقال؛ فازددت في الاعتماد على نفسي، وتحمل مسؤوليات كثيرة طالما كنت أركنها لوالدي، وتعرفت على أصدقاء جدد لم أكن أبدًا سأقابلهم، وازددت في خبرتي في التعامل مع الغرباء، وتعرفت على الكثير والكثير من عيوبي والتي صححت بعضها ولازلت أعالج في باقيها.

أتعلمون أحيانا يحدث أفضل فرح بعد تألمنا وحزننا ولكن دائما نحن بحاجة للنظر في الحكمة مما حدث، وإعادة النظر في الشيء الذي نسعي له، وكذلك إعادة النظر في تقصيرنا، فلا تقلقا كليكما .. فالخير فيما هو آت .

رؤى مختلفة

موقفين مختلفين يبين كل منهما اختلاف فهمنا وإدراكنا للظروف والصعوبات الحياتية وكذلك نظرتنا لما نملك من نعم، وكل ذلك يكمن وراء رؤيتنا للخالق والواقع وأنفسنا؛ فإن كانت الرؤية سليمة تمكنا من إدراك الحكمة الكلية لكل ما يحدث بأنه خير محض، ولكن وفق قوانين عالمنا المادي وطبيعة أنفسنا فيلزمنا معرفة الواقع ومعرفة أنفسنا ومن ثم معرفة كيفية التعامل معهما.

أولاً يبدأ المرء بإدراك حسي للأشياء ثم عقلي ويكون الإدراك العقلي وفق رؤيته للخالق ولنفسه وللكون ( فحين قام الصديقان في الموقف (2) بحادث تسبب في كسرهما نظر كل منهما لما هو سيفقد من خلال منظوره هو لمعني الكسب والفقد؛ فكان ضمن قواعد مادية بحتة لا وجود للأمور المعنوية فيها فوجدوا أنهم خسروا ولم ينظروا في حكمة الخالق،

أما الصديق الثالث فلم يخرج الحكمة الإلهية والاستفادة المعنوية لنفسه عن تفسيره لما وقع عليه من خسارة – في ظاهرها -فتمكن من إدراك جزء من الحكمة واستمر في رصد المكاسب المعنوية والمادية التي نتجت عن خسارته للكلية الأقرب له فوجد أنها في الحقيقة لم تكن خسارة؛ بل كانت مكسب وخير من الخالق لكن بحاجة كبيرة للتفكر والفهم ).

أما الإدراك الحسي فلا اختلاف بيننا فيه طالما سلمت الحواس (فحين كُسر الصديقين فلا يمكن هنا أن ننكر حدوث ذلك بالحواس وكذلك أي شيء يحدث يظهر بنفس الشكل لنا جميعًا).

أما ترجمتنا لما تدركه حواسنا فهو وفق تلك القواعد التي يعتقدها المرء نفسه عن ما هو كائن ( الخالق والواقع ونفسه).

فمثلا ينظر شخصان إلي وقوع حادث أدي لخسارة شيء ما لهما ، نفس الشيء ونفس الحادث فيتطابق النموذجان إلا أن الاختلاف يقع هنا لرؤية وأيدلوجية كل منهما (كما حدث في الموقف (٢) و تفسير الصديق الثالث له )

اللذة أصلها المعني لا المادة.

فإن الذي يقضي حوائج المرء سواء المادية أو المعنوية هو ما يمنحه ذلك الشعور بالتلذذ والسعادة ولأن تلك السعادة الحقيقية للإنسان هي كماله؛ فإنه لم يبلغ كماله بشيء أو شيئين أو أكثر فحين يألف المرء نعمة ما يصبح وجودها باهت وكأنه يركنها على الرف فيتراكم عليها التراب، ومن ثم ينساها ( وذلك ما ظهر في الموقف (ا) والذي جعل الأصدقاء يريدون شراء هاتف جديد بعد أن أصبح القديم مألوفًا لديهم )

وهنا يكون هناك خطأ في الرؤية الحقيقية لطبيعة العالم المادي وطبيعة النفس والذات العليا ( الخالق ) التي ضبطت كل شيء وفق قوانين دقيقة، ومن الواجب أن يعي المرء أن النفس تزداد تكاملاً بالأمور المعنوية بالكسب والفقد في العالم المادي وفق قوانينه، فتقف الحوائج عند كونها مجرد وسائل فيطمح دائمًا ويستمر في الاستزادة المعنوية من معرفة وقيم ومثل عليا

فحين وضع الصديق الخامس -في الموقف- (1) الهاتف في إطاره الحقيقي بكونه وسيلة لقضاء بعض الحوائج كالتواصل مع الأصدقاء وحفظ البيانات وتصفح الإنترنت لم يدخل دائرة الاستهلاك المفرغة ويلهث في تحصيل كل ما هو جديد ، فقد تم في الحقيقة سداد حاجته من تلك الوسيلة فأصبح لا يهم كونها جديدة أو من أي شركة كانت فهو يهتم بسد حوائجه فقط سعيًا بذلك إلي تكامله الذي يحمل له سعادته ولذته الحقيقية.

فما إن فقد نعمة وهو يعلم كونها مجرد وسيلة لبلوغ غايته التكاملية التي فيها سعادته لم يحزن على فقدها؛ بل هرع لإيجاد البدائل والتكيّف في تلك التقلبات التي من طبيعة عالمه المادي؛ فعينه على غايته لا تتوه أو تتوهم أو تغيب بفعل فاعل مستغل.

اقرأ أيضاً:

الإدراك وتكوين الإنسان

الإنسان عدو ما يجهل

الأسئلة وطلب المعرفة هو نداء الفطرة السليمة

اظهر المزيد

محمد سيد

عضو بفريق بالعقل نبدأ أسيوط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى