مقالات

في نقد المادية الراديكالية

المادية المعتدلة والمادية المتطرفة:

تحاول المادية المعتدلة الوصول إلى رؤية علمية أكثر يقينية وقابلية للتحقق، رؤية أكثر تركيبية خلال رد كل شيء إلى الواقع التجريبي المادي. بينما تذهب المادية الراديكالية إلى أن العالم الحقيقي هو مجرد مادة تتغير في أحوالها وعلاقاتها المادية، وأن كل ما هو إنساني مجرد حركة للمادة.

ومع هذا، فيما يذهب عبدالوهاب المسيري، فإن كلا من هاتين الرؤيتين، المعتدلة والمتطرفة، تفترض في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير أسبقية المادة على كل الظواهر التي تُردُّ إلى المبدأ المادي الواحد.

وفي نقد الفكر المادي الراديكالي، يذهب بعض المفكرين إلى أنه يراد بالفكر المادي الراديكالي الفكر المنسوب إلى المادة فقط؛ وهو الاكتفاء بكل ما هو محسوس من هذا العالم وكان مصدره الحواس، كما يراد بهذا الفكر ما يقابل عالم الغيب والميتافيزيقا.

والمحسوس عند الماديين كل ما يمكن أن يُدرك ماديا سواء بالحواس العادية أو بالآلات المساعدة على ذلك _أي على إدراك هذا المحسوس_ فقصروا مصدر المعرفة على الحواس فقط وأغفلوا العقل والحدس وغيرهما من مصادر المعرفة المتعددة، فالإنسان والحيوان والنبات والجماد وكل عناصر ذلك جميعه يدخل في نطاق ما يُسمى بالمادة ويُنسب إليه المذهب المادي.

إن العيب الرئيس للماديين الراديكاليين اقتصار فكرهم على المادة وما يتألف منها من عناصر وذرات ومواد، الأمر الذي يجعلهم يكفرون بكثير مما جاء في الشرائع السماوية من عالم الغيب.

كما أن الفكر المادي خالٍ من الأخلاق، مجرد من القيم والمبادئ والحدس، وذلك واضح من طبيعة مساره المادي، ولذلك فهو ينكر الروح والنفس والهدي والإيثار، لأن الروح والنفس غائبة عن فكرهم المادي ومداركهم الحسية ولا يعترفون بها مطلقا، فهم يرون أن الإنسان مخلوق جسدي فقط، والعقل عندهم هو عبارة عن المخ المادي وغشائه.

العلم المعاصر والمادية:

إن أحدث ما توصل إليه العلماء والنظريات العلمية المعاصرة، هو الاعتراف بضرورة أن تتبنى النظرية العلمية في مرحلة الكشف جانبا ميتافيزيقيا غيبيا يعمل على الإبداع ويساعد في الدفع بأفكار غير تقليدية، حيث يُقسِّم بعض المفكرين والفلاسفة عملية انتاج النظرية إلى مرحلتين: مرحلة الكشف ومرحلة التبرير،

يُسمح في مرحلة الكشف بقدر من الذاتية والغيبية، وذلك لأن في بداية تشكل ملامح النظرية في ذهن المفكر لا يمكنه أن يُنحّي ذاته جانبا، لأن للذات دور كبير في إبداع الفكرة وتفضيلها على أخرى غيرها، ولابد كذلك من إطلاق زمام المخيلة للحصول على حلول وأفكار غيبية ميتافيزيقية غير تقليدية مصدرها العقل والحدس والإلهام وليس الواقع المادي فقط.

أما في مرحلة التبرير فيتم التزام الموضوعية العلمية في تقديم براهين وتبريرات يقبلها العقل، بعيدا عن الذاتية والغيبية. بهذا تلتقي أحدث النظريات العلمية مع الشرائع السماوية والمفهوم الديني لتفسير العالم المادي.

إن الفكر المادي جاء كرد فعل لما كان سائدا في العصور الوسطى الأوروبية؛ حيث سيطر رجال الدين المسيحي على شتى نواحي الحياة، وزعموا أنهم رعايا الله على الأرض، والقائمين على تطبيق القانون الإلهي، حيث ردوا كل شيء إلى عالم الغيب والميتافيزيقا،

وكما نعلم أن التطرف والمغالاة لا ينتج عنه إلا تطرفا مضادا؛ ظهر نموذج جديد على النقيض فكريا من النموذج الذي كان سائدا في العصور الوسطى الأوروبية، لكنه يتبع نفس المنهج، حيث انتقلنا من سيطرة رجال الدين ورد كل شيء إلى قانون إلهي ميتافيزيقي إلى رد كل شيء إلى المادة ومصادر الحس ومن ثم التجربة، بحيث يرفض أنصار الفكر المادي أي شيء لا يمكن اختباره تجريبيا.

المادية دينيا وعلميا وفلسفيا:

إن المادية الراديكالية فكر مذموم دينيا وعلميا وفلسفيا؛ حيث إن المادية الراديكالية إلحادية دينيا، لا تؤمن بوجود إله، ومن ثم الراديكالية تنكر الوحي والنبوة والبعث والجنة والنار، وكل ما لا يمكن اختباره تجريبيا.

كما أن المادية قاصرة علميا، لأنه لا يمكننا حصر كل المتغيرات والعناصر والأسباب والروابط وعلاقتها بعضها ببعض، كما أن العلم التجريبي محدود ولا يستطيع التعاطي مع كل أنواع الخبرات وجوانبها؛ فالطريقة التجريبية ذاتها تقريبية ناقصة وأحادية النظرة، نتائجها عبارة عن تكهنات تضمن لهم الاستمرار في ماديتهم.

وفلسفيا، يذهب المسيري في كتابه “الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان” إلى أن الفلسفة المادية ادعت في البداية أن المادي هو ما تدركه الحواس، وأن ما لا تدركه غير مادي، وبالتالي غير موجود.

ولكن الذرات وجزيئاتها لا تُدرك بالحواس، وبعضها لا كتلة له، وحركة الذرة لا تتبع نمطا محددا، والثقوب السوداء تحطم قوانين الزمان والمكان. ومن ثم، أعيد تعريف المادي بأنه كل شيء يوجد وجودا موضوعيا؛ أي أنه الشيء الذي لا يعتمد في وجوده على عقلنا أو وعينا به. وبهذا المعنى، فإن الفلسفة المادية لا يمكنها أن تستبعد العناصر غير المادية إن تجلت موضوعيا في واقعنا.

وفي النهاية يمكننا القول إن الفكر المادي كان مرحلة تاريخية عابرة من مراحل تاريخ الفكر الإنساني، لابد من تجاوزها والبحث عن أفكار أخرى تتناسب وروح العصر الذي نحياه، ذلك العصر الذي يمتاز بالتقدم العلمي والتكنولوجيات الفائقة.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

الماركسية والمادية

 مدى خطورة الفكر المادي الغربي

طغيان المادية وسقوط التنوير الحضاري

اظهر المزيد

د. وائل صبره

عضو هيئة تدريس بجامعة سوهاج، مدرس الفلسفة ومناهج البحث كلية آداب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى