سارق ومسروقفن وأدب - مقالاتمقالات

سارق ومسروق – الوجه السادس عشر

أربعون وجها للص واحد "متتالية قصصية"

كان السارق يحب مشاهدة برنامج “من سيربح المليون؟”. كم تمنى لو جلس على مقعد من يتلقى الأسئلة، فيجيب بلا تردد حتى يصل إلى الشاطئ الأخير، مكللا بالأضواء والتصفيق والعيون الحاسدة.

لكنه طالما كان يعود من شروده ساخرا من نفسه، فأين له بالمعرفة التي تؤهله لتحقيق هذا الحلم؟ وجد أن عليه تحقيق حلمه بطريقة أخرى، ويصل إلى أي ثراء سريع مثل ذلك الذي يمضي فيه كثيرون دون عناء.

“كيف هذا؟”، سأل نفسه في حيرة، ولم يعد أمامه من سبيل سوى التفكير في السرقة، بعد أن أدرك أنه مهما بذل من جهد فلن يصل إلى ما يريد. بوسعه أن يغافل نفسه، ويكذب على كل من حوله، ويحدثهم عن عبقريته في عالم الأعمال.

إنها تلك الخصلة التي اكتسبها من الصراخ في وجوه من لا حول لهم ولا قوة هناك في الخلاء الأصفر، وحين رآهم ينظرون إليه في صمت وهم يرتجفون، ويرددون كل شيء يقوله ويطيعونه، ظن أنه يعرف كل شيء في الحياة.

أمثاله تقدموا وقبضوا على كل شيء، وجرى المال سخيا في أيديهم. وقتها اعتقد أنهم سيفسحون له مكانا بينهم، فنظر إلى جيوبه فرحا، آملا أن تمتلئ عما قريب، لكن الأيام مرت دون شيء، فتيقن أن مثله خارج أي حسابات، وهو وضع لا يختلف كثيرا عن الذي كان عليه وهو بينهم يتلمس خطاه في مشقة نحو الحافة، التي سقط منها إلى حيث يكون الآن، لا يجد متنفسا له سوى في حلم يقظة يأخذه دوما إلى الجلوس في استديو برنامج “من سيربح المليون”.

تذكر أن برنامج “من سيربح المليون؟” يتيح فرصة الاستعانة بصديق _إلى جانب فرص أخرى_ لأي متسابق يواجه أسئلة صعبة، فقفز إلى خاطره صديقه المقرب، الذي كلما رآه شعر بارتياح ولقي مساندة، فهو مثله يبحث عن فرصة بأي طريقة، غير عابئ بشيء سوى تحصيل مال وفير في وقت قليل.

لقاء مع الصديق

لهذا هاتفه، وضرب له موعدا، وحين التقاه قال له:

ـ ضاعت زهرة شبابنا فوق الرمال البعيدة، وخرجنا بلا شيء يذكر.

زفر في ألم، وهو ينظر إلى لوحة قديمة لمدفع حجري من الزمن الغابر، تطل فوهته على عيني كل من يدخل من باب النادي إلى قاعة الاستقبال الفسيحة، ثم رد:

ـ طالما حلمت بأن أصل إلى أعلى مكان.

ـ وأنا كذلك، لكنهم أزاحونا من الطابور، وألقوا بنا بين الناس، كأننا لم نكن في أي يوم من الأيام بينهم.

هز الصديق رأسه وقال:

ـ هذا طبع ما كنا فيه، وقد عرفناه فور تخرجنا.. دخلنا حلبة اللعبة ولسنا واضعي قواعدها.

ـ صحيح، لكن ماذا نفعل في أمل راودنا سنين طويلة، وأدركنا الآن أنه كان كاذبا؟

ـ نعوضه؟

ـ كيف؟

ـ نأخذ حقنا؟

ـ حقنا!! نأخذه ممن؟

ـ نحن ضحينا كثيرا، وما سنأخذه من أي أحد هو لنا.

قهقه الصديق، وقال له:

ـ أين هذا الذي سنأخذ منه؟

خطف ابتسامة فاترة، وأجابه:

ـ أنا وجدته.

مجرد وهم

كان يقصد المسروق، بعد أن أقنعه السارق أن يتمم عملية بيع في مكتبه، وجهز خزنة ضخمة لتكفي المبلغ الكبير، الذي عزم على أن يُدخله ولا يُخرجه لصاحبه أبدا.

لم يكن يدرك وقتها أن ما يفكر فيه مجرد وهم، فالرجل تنبه، وربما ساقته سجيته إلى أن يتصرف بطريقة مختلفة، فطلب من سائقه أن يحمل حقيبة النقود إلى السيارة. وقتها داس السارق على أسنانه من الغيظ، وهو يغلق فمه، حتى لا ينكشف أمره، وفكر في تصرف آخر، كاد أن يحدث به نفسه في صوت مرتفع:

ـ لن تفلت في المرة القادمة.

وجاءت هذه المرة أسرع مما انتظرها، فالمعاملات المالية المتأخرة بين المسروق والسارق كانت كفيلة بتحقيق الانتقام، الذي صوره لصديقه حين هاتفه ليطمئن على أنه قد ظفر بما أراد، قائلا:

ـ لا يمكن لصياد أن يقنص كل الطيور البرية التي ترفرف فوق البحيرة.

لكنه حين التقاه بعد شهر، وجلس في المكان نفسه، كان كاسف البال، لأن المسروق قرر أن يكشف ألاعيبه أمام أهله الأقربين، وراح ينفذ قراره في حزم.

تأمل السارق وجه صديقه، الذي كان قد شرع في سرقة شخص آخر، وقال له:

ـ بدأ المسروق هجومه.

وبينما كان ينطق هذه العبارة، لمحت عيناه، اللوحة المعلقة قبالتهما، وإلى أعلى قليلا، فوجد فوهة المدفع التي رآها من قبل تتوجه إلى اليمين البعيد قد استدارت، وصارت مصوبة في اتجاه رأسه تماما.

اقرأ أيضاً:

الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، الوجه الرابع، الوجه الخامس

الوجه السادس، الوجه السابع، الوجه الثامن، الوجه التاسع ،الوجه العاشر.

الوجه الحادي عشر، الوجه الثاني عشر ، الوجه الثالث عشر

الوجه الرابع عشر ، الوجه الخامس عشر

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

عمار علي حسن

روائي ومفكر مصري

مقالات ذات صلة