سارق ومسروقفن وأدب - مقالاتمقالات

سارق ومسروق – الوجه السابع عشر

أربعون وجها للص واحد "متتالية قصصية"

اعتقد المسروق الأول أن ضمير السارق يمكن أن يستيقظ، أو يدرك أن السبيل الوحيد للتخلص من المخاوف التي تطارده هو رد ما سرقه. عوّل المسروق  على آخر نظرة رمى بها السارق وهو يهم منصرفا من مكتبه، بعد كشف لعبته.

كانت نظرة قاسية نافذة اختصرت في لمح البصر انهيار زمن طويل من الثقة في السارق والاطمئنان له. لكن هذا الرهان انهار في دقائق معدودات حين سمع المسروق من أخ السارق ما فعله معه، ناهيًا كلامه وهو يغالب دموعه:

ـ “لا تنتظر خيرًا أبدًا من الذي سرق مقبرة”.

“الحداية مبتحدفش كتاكيت”

كانت حكاية لها العجب، بدأت باستغراب المسروق الأول وانتهت بصدمته من جديد. فبعد ساعات من تفريغ ذهنه من التفكير في واقعة السرقة وآثارها، خطف بصره ما كتبه السارق على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.

قرب شاشة الهاتف من عينيه، وهو يفتح فمه اندهاشًا، وقرأ ما كتبه السارق معلنًا عن استعداده لاستقبال أي موتى بوباء كورونا أو غيره في أنحاء مصر كافة، من أسوان إلى الإسكندرية، ومن رفح إلى سيدي براني، في مقبرته، وعلى من يريد الاتصال به، وسيجده رهن إشارته، وستكون المقبرة مفتوحة لاستقبال جثة ذويه. أبعد المسروق الهاتف عن عينيه، وقربه مرة أخرى، وأعاد القراءة، وقال لنفسه بصوت مسموع:

ـ “الحداية مبتحدفش كتاكيت”.

ودارت في رأسه ظنون، لكنه اطمأن إلى خاطر تمكن منه يقول إنها لعبة جديدة للسارق، وسينكشف سرها قريبًا. لم تمر سوى ساعات قلائل حتى جاء الرد من المسروق الثاني، الذي ما إن رأى المسروق الأول اسمه حتى قهقه، وهو يستدعي وجه السارق ليسأله في غيظ:

ـ “حتى هذا لم ترحمه يا فاجر؟”.

 المسروق الثاني

كان المسروق الجديد رجلًا رقيق الحال، يضنيه مرض عضال، لم يجد أمامه من سبيل سوى الرد على “فيسبوك” أيضًا:

“أول مرة أرى لصًا يتصدق بمال سرقه، المقبرة ملكي، وهذا السارق المتبجح، الذي هو للأسف أخي، لم يدفع فيها مليمًا واحدًا”.

وبانت قلة حيلة المسروق الثاني حين أعلن أنه سيشكو أخاه إلى ولده وزوجته، وسيبين لهما كيف أن أباهما قد سرقه بلا تردد. وتوقف المسروق الأول أمام هذا التهديد، وسأل نفسه:

ـ “هل يمكن أن يخشى الأب من افتضاحه أمام ابنه؟”.

أخذ شهيقًا عميقًا، وألقى الهاتف إلى جانبه على الكنبة اللينة، وراح يستدعي كل ما يتذكره عن تصرفات السارق، ثم ابتسم وقال، وهو يضرب ركبته براحة يده:

ـ “نطاعته أقوى من أي إحساس بالخجل يتسرب إليه حين ينظر إلى عينيّ ابنه أو ابنته أو زوجته”.

تبجُّح السارق

ونام مطمئنًا إلى ما انتهى إليه. في اليوم التالي جاءه ما يؤكد فهمه وإحساسه، فالسارق رد على صفحته، بادئًا ما كتبه بآيات قرآنية، وأحاديت نبوية، وحكاية مأثورة من التراث الديني، ثم اتهم المسروق الثاني بأنه:

“اغتر بماله وصحته، وظن أن الدنيا قد دانت له، وها هو يقف على أبواب الآخرة، بعد أن سكنه المرض، وراح المال، وضاعت الوظيفة التي جناه منها، ومع هذا يزعم أنه يملك ما ليس له”.

ولم ينس أن ينهي كلامه بشيء من الدين كما بدأ، فأخذ يدعو للمسروق الثاني بالهداية، والعودة إلى الصواب، لكن حتى في هذه لم ينس أن يسبه، فقال:

“اللهم اهدِ كل عاصٍ مغرور كاذب متكبر، وافتح له باب التوبة إليك، والتمسك بنهج نبيك الكريم عليه الصلاة والسلام”.

قهقه المسروق الأول، هذه المرة أشد من أي مرة سابقة، وتذكر المثل الدارج، الذي طالما كتمه حتى لا يجري على لسانه العفيف، لكنه لم يستطع هذه المرة إلا أن يقوله بصوت مسموع: “العاهرة تلهيك وتجيب اللي فيها فيك”.

اقرأ أيضاً:

الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، الوجه الرابع، الوجه الخامس

الوجه السادس، الوجه السابع، الوجه الثامن، الوجه التاسع ،الوجه العاشر.

الوجه الحادي عشر، الوجه الثاني عشر ، الوجه الثالث عشر

الوجه الرابع عشر ، الوجه الخامس عشر،  الوجه السادس عشر

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

عمار علي حسن

روائي ومفكر مصري

مقالات ذات صلة