سارق ومسروقفن وأدب - مقالاتمقالات

سارق ومسروق – الوجه التاسع عشر

أربعون وجها للص واحد "متتالية قصصية"

لم يكن السارق جادًا بالطبع حين أعلن على صفحته في “فيسبوك” عن استعداده لاستقبال أي موتى في المقبرة من دون مقابل. ففور كتابته هذا، تلقى على صندوق الرسائل الخاصة سؤالًا:

ـ هل هذه مقبرة صدقة مسجلة رسميا؟

لم يرد على السائل، فكلمة “صدقة” تصيبه بحالة من الدهشة، ويسأل نفسه عن جنس هؤلاء الذين بوسعهم أن يتنازلوا عن جزء مما لديهم طواعية. على أية حال، كان لا يشغله هذا كثيرًا، فهو لا يزال في مرحلة جمع ما يقدر عليه من مال، ليعوض ما فاته وهو هناك يمشي متثاقلًا كي يقتل الوقت فوق رمل صحراء ممتدة.

وسأله ابنه، الذي يعرفه جيدًا، عما إذا كان جادًا في هذا العرض الملقى أمام رواد “فيسبوك”، فنظر إليه طويلًا، ثم لاذ بصمت، لكن عينيه نطقتا بما يعرفه الابن جيدًا:

ـ إنه واحدة من ذرائع خطف المقبرة من صاحبها الأصلي.

وكان عليه أن يجاهد في سبيل كتمان هذا الكابوس الذي يجف له ريقه، ويتصبب عرقًا، ثم يفزع ناظرًا حوله، ليتأكد أن لا يزال هنا في بيته، وليس في قعر قبر مظلم، تتعارك ذرات التراب في فتحتي أنفه، ويجثم حجران فوق جفنيه، فلا يرى، ويرى أخاه واقفًا بين الجفنين والمقلتين، صحيحًا معافى، يبتسم ويقول له:

ـ ليس لك مكان في هذه المقبرة.

يبكي متوسلًا، ويسأله بصوت مخنوق:

ـ أيهون عليك أن تأكل الكلاب جثتي؟

يعطيه ظهره، وهو يقول:

ـ الكلاب لا تسرق القبور، وهي أولى بمن يسرقها.

ثم يستدير إليه، ويقول:

ـ يكفيك ما أنت فيه، ابق مكانك.

يهب مذعورًا، وتقفز في نفسه رغبة عارمة في إعادة المقبرة إلى المسروق الثاني، والنقود إلى المسروق الأول، لكن وهو يغادر فراشه، تأخذ هذه الرغبة طريقها إلى التسرب رويدًا رويدًا، حتى تذوب في المياه التي تنسكب فوق رأسه، متدفقة نحو المجارير العفنة.

اقرأ أيضاً:

الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، الوجه الرابع، الوجه الخامس

الوجه السادس، الوجه السابع، الوجه الثامن، الوجه التاسع ،الوجه العاشر.

الوجه الحادي عشر، الوجه الثاني عشر ، الوجه الثالث عشر، الوجه الرابع عشر

الوجه الخامس عشر،  الوجه السادس عشر، الوجه السابع عشر، الوجه الثامن عشر

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

عمار علي حسن

روائي ومفكر مصري

مقالات ذات صلة