مقالات

زهرة المدائن

التخطيط العمراني للدول من الأمور المهمة التي يهتم به الحكام والملوك، وبخاصة بعض المدن التي تكون منارة وتكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي وبعدها الثقافي، وحُسن تنظيمها والاهتمام ببنيتها التحتية وتحصيناتها ضد الغزاة المعتدين.

بغداد مدينة السلام

لدينا بعض النماذج، فعلى سبيل المثال لا الحصر بغداد –مدينة السلام– التي كانت عاصمة الدولة العباسية، التي كانت تُعد آية في الجمال ودقة الترتيب، فقد توسطت الأقاليم جميعها حتى يسهل الاتصال بأجزائها كلها، وهي على شكل دائرة يحيط بها خندق وسوريْن عظيميْن كما بُنِي سور في الداخل له أربعة أبواب، والمسجد الجامع في وسطها والقصر والدواوين.

مدينة الفسطاط

الفسطاط، المدينة التي وضع حجر أساسها عمرو بن العاص بعد دخوله مصر، وبنى بها أول المساجد والمعروف باسمه وبالقرب منه مسكن الإمارة، ثم تسارع الناس في بناء الدور والأسواق والمحلات، وهي المدينة الثالثة التي بُنيت بعد الكوفة والبصرة في العراق.

مدينة القيروان

مدينة القيروان، التي تعني القافلة أو الرتل العسكري، التي تأسست في وسط الصحراء بعد فتح عُقبة بن نافع لإفريقية (تونس)، لتكون معسكرًا ومُنطَلقًا للجيوش، كان لها أربعة عشر بابًا، وبها مسجد كبير وجامعة وسوق، وهي من أوائل المدن في بلاد المغرب العربي، وتعد مركزًا مهمًا لتعليم الدين الإسلامي بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف.

مدينة القاهرة

مدينة القاهرة، المعروفة بقهر أعدائها وردهم خائبين خاسرين، بناها جوهر الصقلي قائد جيوش الفاطميين بأمر من المعز لدين الله الفاطمي ولهذا تسمى قاهرة المعز، يتوسط المدينة قصر الخليفة ولها سور كبير ضخم وثمانية أبواب قوية وسميكة. بُني الجامع الأزهر الذي تحول بعد ذلك إلى جامع وجامعة الذي يُعد منارة التنوير في العالم العربي والإسلامي.

مدينة أثينا

مدينة أثينا عاصمة اليونان، التي ترمز إلى القوة والحكمة، عرفها العربي بمدينة الحكمة ومدينة الزيتونة، لها طابع جمالي فريد، مهد الحضارة الغربية تمتعت بمكانة كبيرة وقوية في الحضارة القديمة، تتميز بالأماكن السياحية الجميلة، وهي من أهم المدن العالمية السياحية الجميلة.

زهرة المدائن ومهوى القلوب

القدس زهرة المدائن وعروسها، إنها ملتقى الأديان وموطئ قدم الأنبياء مدينة تليدة تشعر فيها بعبق التاريخ واستنشاق الهواء العليل والشعور بالسكينة، والمسجد الأقصى أولى القبلتيْن وثالث الحرميْن من المساجد التي تُشد إليها الرحال.

عندما نذكر القدس تأتي العُهدة العمرية مباشرة في أذهاننا وما فعله الخليفة عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء (القدس)، فعندما دخلها أمّن أهلها على أرواحهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم، وهي وثيقة تشهد على العدالة التي تحلّى بها المسلمون، ومن المعروف أن المسيحيين من أهل إيلياء اشترطوا على عمر قبل إعطائه مفتاح المدينة عدم مساكنة اليهودي والمسيحي داخل المدينة، لكن يُسمح له بالسكن في مدينة أخرى، ويتسوق ويزور فقط.

ويدور الزمان دورته ما بين رفْع لحقب وخفض لأخرى، فجاءت إسرائيل بالوعد المشؤوم من الهالِك بلفور بريطانيا، بعد أن كُتب عليهم الشتات والتيه في الأرض بعدم إيمانهم بالله وقتلهم لأنبيائهم، فكوّنوا شِبه دولة لتكون شوكة في ظهر العرب عمومًا وأصحاب الأرض خصوصًا، فقامت الحروب وسالت الدماء ودُوِّلت القضية لتتلاعب بها الأمم البائدة التي تدّعي الحضارة والتقدم وحقوق الإنسان، وهم أبعد ما يكون من ذلك، إنهم قاموا على أنقاض العرب في الوقت الذي ترك فيه العرب كنزهم الثمين من العلوم وارتموا في أحضان أعدائهم الذين يكيدون لهم صباح مساء.

القدس التي غزل في حبها الشعراء جمال كلماتهم مثل نزار قبّاني، ومحمود درويش شاعر الأرض المحتلة، وأحمد شوقي أمير الشعراء، وغيرهم كثير، وغنّت لها فيروز “زهرة المدائن” للأخويْن رحباني، وعند ذِكر القدس تهفو النفوس وتذوب الأفئدة حبًا وخجلًا.

مقالات ذات صلة:

المدينة” بين الغربة والاغتراب

القدس في العمق

مدن سنة ٢٠٣٠

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر