مقالات

الصائمون قسرًا!

الصيام ركنٌ أساسي من أركان الإسلام، فرضه الله تعالى على المُسلم ترويضًا للنفس وتدريبًا لها على كبح جماح شهواتها، ومجابهة مطالب الجسد المتتالية والمتكاثرة، ضبطًا لإيقاعه الوظيفي، وتجديدًا لمنطلقاته الروحية والفكرية عبر مراحل حياته الأرضية.

الصيام علاقة خاصة بين العبد وربه

والصيام فوق ذلك علاقةٌ باطنية خاصة بين العبد وربه، فإذا كان من اليسير على الناس أن يعرفوا أني أصلي أو أزكي أو أحج، أو غير ذلك مما يمكن تأديته من العبادات الظاهرة، فإنه لمن العسير عليهم أن يعرفوا أني صائم، سواء أكان صيامي هذا فرضًا جمعيًا يشاركونني في أدائه، أو كان صيامًا تطوعيًا فرديًا أقوم به تقربًا إلى المولى عز وجل.

ولذا يبقى صيامي سرًا مطويًا لا يعلم حقيقته من البشر أحدٌ غيري، ولذا أيضًا ميزه الله تعالى عن سائر العبادات، فقال على لسان نبيه (صلى الله عليه وسلم): «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (رواه البخاري ومسلم).

ورغم ما يكابده المسلم من مشقة طوال ساعات صيامه الممتدة من فجر اليوم حتى غروب شمسه، فإنه يُقبل على تأديته طوعًا –أيًا كان نوعه– ابتغاءً لمرضاة الله والتماسًا لثوابه، فما من إجبارٍ بشريٍ على الصيام لأي امرئٍ، اللهم إلا إن كان أسيرًا يخضع للتجويع والحرمان من قبل آسريه، وهنا لا يغدو صيامًا، بل تعذيبًا يعكس غرور البشر وتسلطهم.

من هم الصائمون قسرًا؟

كامل عن الفقر في العالم الإسلامي - الصائمون قسرًا!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

والحق أن السطور السابقة قد تبدو قديمة مُعادة، بل وتحفل بها الكتب الدينية ومواقع الإنترنت وخطب الأئمة في المساجد، لكنها تأتي هنا توطئة لطرحٍ آخر يدور حول من أسميهم «الصائمون قسرًا»، أو فلنقل حول من أجبرتهم ظروف الحياة على الصيام

تتويجًا لآلهة نظامٍ عالمي جديد، يُهيمن على الكوكب المثقل بأطماع البشر وفقًا لمنطقٍ ذي قياسات فاسدة، وبطرقٍ مهدها شيطان الرأسمالية بحطامٍ من القيم. فمن إذن هؤلاء الصائمون قسرًا؟ وما طبيعة صيامهم وأقسامه ومآله؟

حسنًا، الصائمون قسرًا هم أولئك الروازح تحت وطأة سلطاتٍ وحكومات ونظم عنكبوتية تغتصب حقوقهم الأساسية التي أقرتها لهم الأديان السماوية والمواثيق الدولية دون مواربة، إما لفساد هذه السلطات وتلك الحكومات بفعل أناسٍ متألهون،

أو لفشلها في التسييس العادل لمجتمعاتها وتراكم مديوناتها العقلية، فهي تصادر أساسًا على حرياتهم بأشكالها المختلفة فتدفعهم قسرًا إلى الصيام عنها: حرية الحصول على طعامٍ آمن خالٍ من الكيماويات والهرمونات المسرطنة، حرية الارتواء بشربة ماءٍ نقية خالية من الملوثات ومسببات الأمراض القاتلة،

حرية ارتداء الملبس الموافق لمعتقداتهم والمعبر عن هوياتهم، حرية اختيار التخصص التعليمي المناسب لاستعداداتهم، حرية إبداء الرأي في توجهات وسياسات ولاتهم، حرية الاختيار الصادق لمن يمثلونهم ويرفعون شكاواهم ومطالبهم، وقبل ذلك كله حرية اختيار من يرضونه ليكون حاكمًا وإمامًا لهم!

طبيعة وأقسام الصائمون قسرًا

الصائمون قسرًا هم أولئك الذين صاموا عن كثيرٍ من خيرات الأرض الضرورية فباتت أمامهم ترفًا غذائيًا يراود أحلامهم ويغازل عيون أطفالهم، هم أولئك الذين صاموا عن حق العلاج من أمراض تفتك بأجسادهم وأجساد ذويهم وكأن هذه الأمراض قد خُلقت لهم،

هم أولئك الذين صاموا عن حق التعلم ونفي الجهالة في نظامٍ تعليمي بائس بُني على شفا جُرفٍ هارٍ فانهار به في غيابة التخلف والبؤس الثقافي والحضاري، هم أولئك الذين صاموا عن حق الراحة والاسترخاء ولو لدقائق معدودة في مؤسسات وشركات ومصانع تلتهم جهودهم وأجورهم لتنتفخ بطون أصحابها وترتفع راياتهم فوق موائد صُنعت قوائمها من أجساد أُجرائهم،

هم أولئك الذين صاموا عن حق الحصول على مسكنٍ آدمي يستترون فيه دون أن يفضح عوراتهم، هم أولئك الذين صاموا عن النظافة في مجتمع قصر حق النظافة على الأسياد، فامتلأت جوانبه بقمامتهم التي هي حصاد أفكارهم،

وهم –أخيرًا وليس آخرًا– أولئك الذين صاموا عن الفكر والإبداع بتأثير من إعلامٍ فاسد يمتهن عقولهم ويختصر أبعاد ثقافتهم في بعدٍ واحد فقط هو السجود لجلاديهم والتسبيح بملكاتهم.

مآل الصائمون قسرًا؟

المسلمين بحاجة إلى توفير مقومات الحياة الأساسية 1024x675 - الصائمون قسرًا!من جهة أخرى، إذا كان صيامنا الرمضاني يبدأ وينتهي برؤية الهلال، فإن صيام الصائمين قسرًا لا يعترف بالأهلة، بل يولد المولود صائمًا، يعجز أبواه عن مده بحليب الحياة، يصوم بصيامهم منتظرًا هلال عيدٍ لن يأتي إلا بموته، ما أقسى أن يكون يوم عيدك هو يوم موتك، وبهجة حريتك هي حملك فوق الأعناق محطمًا أسوار صومك.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وإذا كان صيامنا الإسلامي محدودًا بوجبتين هما السحور والإفطار، فإن صيام الصائمين قسرًا لا تحده وجبات، بل يمضي على مدار اليوم منتزعًا رغبة البقاء من جسدٍ أنهكه البقاء، وإرادة الحياة من نفسٍ قهرتها الحياة.

وإذا كان الصيام الرمضاني مآله أن ينعم قلب المؤمن بالتقوى، فإن الصيام القسري مآله أن يزداد صوم المحرومين عن حقوقهم ليزداد ترف المترفين!

حزن وآلام الصائمون قسرًا

هؤلاء هم الصائمون قسرًا، أراهم من أمامي ومن خلفي، وعن يميني وعن يساري، يفترشون موائد إفطارٍ وهمية، ينتزعون البسمة من جوف القهر الحزين، ومن أحشاء الحزن الدفين، يشاهدون التلفاز ويستمعون لهذا وذاك، يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم إلا غرورًا،

أراهم في الشوارع وعلى جنبات الطرق يتزاحمون ويمارسون عذابهم اليومي في سكونٍ وصمتٍ مهين، أراهم في الصلوات يبكون ويتباكون، ربما لخشيتهم من رب العالمين، وربما على ذنوبٍ اقترفوها حين ابتعدوا وصاموا عن هداية الدين،

وربما على صمتهم واستسلامهم إزاء فساد المفسدين، وربما لأنهم باعوا ضمائرهم وغيبوا عقولهم فاستخفت بهم شرائع الظالمين.

لكن مهلاً، فلو صدقت الدموع لصدقت الأعمال، وانتفضت الضمائر، واستيقظت العقول، وتغير حال الصائمين!

اقرأ أيضاً:

الغلاء والذنوب

الجوع والانتفاع المادي

هذا يجعلنا نتعلم أمرين

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة