مقالات

دور حضارات الشرق القديمة في بناء الفكر الأخلاقي عند اليوناني

لعل الذي يقرأ العنوان لأول وهلة سيواجهني بسؤال وسأرد عليه بما يدحض المقولة الخاطئة “الجواب يبان من عنوانه”، هذا السؤال هو: هل اقتصر دور حضارات الشرق القديمة في تأثيرها على الفكر اليوناني في مجال الفكر الأخلاقي فقط؟

أجيب على هذا السؤال وأقول _بمنتهى الموضوعية ودون أدنى تعصب لحضاراتنا الشرقية_ لم يكن التأثير مقصورا على الأخلاق فقط ويشهد بذلك بعض المستشرقين المنصفين، من أن حضارات الشرق القديمة وعلى وجه الخصوص الحضارة المصرية القديمة كان لها دور فاعل ومقوم رئيس في بناء الحضارة اليونانية سواء في الجوانب النظرية أو الجوانب العملية، وكذلك في النواحي السياسية.

الدليل

ودليلي على ذلك زيارات العديد من أئمة الفكر بشتى مناحيه لمصر، ففي المجال السياسي زيارة صولون المشرع السياسي الأثيني، واستفادته من قوانين حمورابي، وكذلك زيارة فيثاغورث وأخذه فكرة وحدانية الإله وفكرة التناغم والهارمونية، ثم زيارة أفلاطون، ومن قبله سقراط، انظروا معي لعلم الحساب والهندسة والفلك ومعرفة فصول العام ومواسم الزراعة والحصاد، ألم يتحدث عن ذلك قدماء المصريين؟

انظروا إلى بناء الأهرامات، انظروا إلى فن التحنيط، انظروا إلى علم الأصباغ والكيمياء، وأن كلمة كيمي الأرض السوداء الخصبة أرض مصر، هذا بالنسبة لبعض الجوانب العملية، أما الجوانب النظرية فكرة التوحيد، وفكرة الخلود خلود النفس والبعث ودفن أغراض الموتى معهم في قبورهم اعتقادا منهم بحياة أخرى.

إذن للحضارة المصرية دور فاعل في بناء الفكر اليوناني نظريا وعمليا، بما يدحض الفرية والشبهة التي كان يتغنى بها بعض المستشرقين وأن الفكر الفلسفي خلق يوناني عبقري أصيل، وما الشرقي إلا ناقل ومقلد، شهد بذلك بعض المستشرقين المنصفين أمثال زيغريد هونكه، وكذلك وول ديورانت وغيرهما. وسنقف ونتصدى بكل ما أوتينا من حجة عقلية ودليل دامغ لكل من تسول له نفسه بالعبث بحضاراتنا الشرقية ومقدراتنا وقيمنا وفكرنا وثقافتنا.

لكن ثمة سؤال، ما هو الدور الفعال الذي لعبته حضارات الشرق القديمة في بناء الفكر الأخلاقي عند اليونان؟

دور الحضارة المصرية في بناء الفكر اليوناني

إذا نظرنا بعين الاعتبار وتصفحنا بعض مؤلفات من كَتَبَ عن حضارات الشرق القديمة، مثل فجر الضمير لبريستيد، وقصة الحضارة لوول ديورانت، وتاريخ العلم لجورج سارتون، والفلسفة اليونانية من منظور الفكر الشرقي لمصطفى النشار، وأظن هذه المؤلفات ليست منا ببعيدة، لكن نريد تصفحها جيدا، من سيتصفحها سيجد ضالته المنشودة _وفي هذه الحالات نشد الضالة مباح وحلال_ نبدأ بفكرة الفضيلة علم والرذيلة جهل مقولة سقراط الخالدة، ألم يتحدث المصريون القدماء عن الفضائل واقتنائها والرذائل واجتنابها؟

ألم يتحدث قدماء المصريين عن العواطف الحارة والوجدان والحب والعطف والمودة ومعاملة الزوجة باحترام وإطاعة الأبناء لآبائهم واحترام الزوجات لأزواجهن؟ فكرة العدالة التي نجد أفلاطون تغنى بها وأن العادل هو من يجعل قوته العاقلة تسيطر على قوتيه الشهوية والغضبية، وفكرة العدالة والماعت المصرية، ألم يستمدها أفلاطون من هنا؟ فكرة الوسط الأخلاقي ممن استقاها أرسطو؟

اقرؤوا إن شئتم الأسفار الأربعة لكونفوشيوس حكيم الصين وانظروا وتأملوا حديثه عن الوسط الأخلاقي وأن الإنسان لا يميل بالكلية إلى طرف دون طرف بل لا بد له أن يوفق بين جانبيه المادي والروحي حتى تتحقق له السعادة. كذلك انظروا إلى هذا الحكيم الصيني ومدرسته، إذ يقول في حديث مانع عن الواجب الأخلاقي وأن الإنسان يفعل الفعل ولا ينتظر نتائجه، الواجب الأخلاقي هو الأحرى بالاحترام.

كذلك فكرة خيرية الأفعال وشريتها ألم يتحدث الفرس عن إلهين؟ إله للخير وإله للشر، إله للنور وإله للظلام، إذن ثمة خير وثمة شر. كذلك ألم يتحدث الهنود عن افعل ولا تفعل؟ الأخلاق في جانبها السلبي وجانبها الإيجابي، جانبها السلبي لا تفعل، كأن يقال لك لا تقتل، لا تسرق، لا تزني، كل ما هو مشين ورذيل لا تفعله. وفي جانبها الإيجابي إتيان الفعل، كن أمينا، كن عفيفا، شجاعا، محبا، كريما، ودودا، عادلا.

المعيار الذي نحتكم إليه

إذا أردنا حقا أن نؤسس لفكر موضوعي يقوم على دعائم موضوعية رصينة فلا بد أن نتوخى الدقة والأمانة والموضوعية في مناقشة موضوعاتنا دون أدنى تعصب لجنس ولا عرق ولا عصبية، فالفكر الإنساني نسيج واحد وكل واحد، ودوما نعلي من شأن وقيمة هذه المقولة، الفكر ليس له دين ولا وطن نناقش الفكرة أيا كانت ديانة قائلها مسلم، مسيحي، يهودي، بوذي، وأيا كان موطنه، غربي أو شرقي، شمالي أو جنوبي.

الحكم والمعيار الذي نحتكم إليه هو العقل فبه نحكم على كل ما يطرح أمامنا من أفكار ومن خلاله نميز بين الحق والباطل، الصواب والخطأ، الجميل والقبيح، الخير والشر. ونقول لهؤلاء العنصريين أحاديي النظرة كفاكم هذه الترهات وعودوا إلى رشدكم، ولا تظنوا أن التاريخ ينسى، وأنه سيقوم من بينكم من يدافع متذرعا بموضوعيته وبعلمه الحقيقي، وسيرد الحقوق لأهلها وأصحابها وسينصف حضارات الشرق مثلما حدث ويحدث.

وأقول لهؤلاء الشرقيين ومنهم الحضارة العربية والإسلامية كفاكم استكانة وأفيقوا من سباتكم الذي طال كثيرا، وأعيدوا مجد آبائكم لا بالتغني بأمجاد الماضي ولكن بتشمير سواعد الجد والعود الأحمد المبارك إلى مكتباتنا وإزالة الغبار عن تراثنا لا عن موروثنا في كل العلوم حتى نعود سيرتنا الأولى.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

خارطة الطريق للمستقبل العربي

سفسطائيو العرب والبحث عن سقراط!

مكانة العقل في الفلسفة العربية

اظهر المزيد

أ. د. عادل خلف عبد العزيز

أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى