علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

دعوة للتسامح

كثيرة هي صراعات الحياة، تافهة مغانمها، قصيرة أيامها، وإن ظننا جهلا أنها طويلة، فقطار الوهم لا يرحم، ولا ينسى، ولا يجامل، وتبقى المغانم كلها وهما، وصرحا من خيال صنعناه لنحيا به، وندافع عنه باستماته، صنعناه لنؤمن بأننا قادرون على إثبات الذات كذبا، وخوض غمار حروب الحياة باقتدار.

وفي غمرة صراعات الحياة، غاب التسامح بين البشر، غاب الحب بين الناس، غدت العداوة عملة سائدة، وغدت الكراهية معيارا واحدا للتعامل الإنساني، بل وغاب عن الإنسان إجمالا معنى الإنسانية الراقي. فهل لنا أن نبحث عن التسامح المفقود؟!

ما أحوجنا إلى أن نجد التسامح:

– تسامحا مع النفس شعاره الاعتراف بالأخطاء والمكاشفة الصريحة.

– تسامحا مع الآخر شعاره الصفح والغفران والتجاوز عن الهفوات ونسيان الصراع التافه المؤسف الذي لن يفيد.

– تسامحا مع الرفاق، فكم اشتقنا إليهم، وأبعدتنا عنهم صراعات الحياة المقيتة، ولكن حبنا لهم يبقى راسخا في الوجدان رغم الصراع.

– تسامحا مع الناس صبرا واندماجا وتواضعا ومشاركة في السراء والضراء، وطردا للعزلة والاجتناب المتعمد لهم.

– تسامحا مع الأزمات والصدمات والابتلاءات وإيمانا بأنها تصاريف القدر تختبر قوة العزائم وتشحن بطاريات الصبر التي نستمد منها طاقة الإيمان والقناعة بداخلنا.

– تسامحنا مع أقران العمل والمهنة الواحدة، فقد غدت الشحناء وجها واحدا للتعامل معهم.

ليكن التسامح أملا

ما أروع أن تسود فلسفة التسامح بين الناس، ولكن الأهم أن يكبح الإنسان جماح نفسه العدوانية التي أدمنت الكراهية وتعاطت جرعات الحقد دون وعي، فصار إدمان العدوانية مرضا مزمنا ملازما لصاحبه، شاقة رحلة علاجه، لكنها حتما ليست مستحيلة.

ما أضعف الإنسان إذ يركب قطار الوهم مستعرضا قوته وبطشه الزائف، مستعرضا ثروته الطائلة، معتزا بحسبه ونسبه، مجاهرا بعلاقاته القوية المسيطرة، فخورا بقدرته على القهر والمغالبة التي تشعره بلذة وجوده، وهو لا يدري أن كل من يسانده ويدعمه من أنصار وأهل ومعارف وذوي حظوة سوف يركبون معه نفس القطار، ويحيط بهم نفس الوهم،

والكل لا يدري موعد انتهاء الرحلة، فالقطار حتما سيقف بهم مرات ومرات ليودع كل منهم في محطة اللا عودة، وعجبا لهم جميعا إذ يعشقون ذلك القطار المزين بالوهم، ليتهم يعلمون أن قطار الوهم اسمه الدنيا، وهو قطار قائده الموت، فهل من الموت فرار داخل هذا القطار؟!

اللهم إنها رحلة صعبة، ولا ندري أين سيقف بنا القطار، فليكن التسامح أملا نستمد منه طاقة حب وتناغم وتوافق مع الناس والوجود، وليكن كل منا قادرا على كبح جماح ذاته أولا، فتلك أرقى مراتب التسامح.

لن تطول أيامنا في قطار الحياة، ولن تستمر الرحلة طويلا، ولن يستمر أمل الخلود راسخا في وجدان من لا يؤمنون بأن لرحلة قطار الوهم نهاية. ولكن يا أخي ثق أنني لا أركب القطار وحدي، فهل تمد يدك أيضا لي بالتسامح كي ننجو معا من بطش هذا القطار؟! هل لنا أن نعي وأن نفهم ثم نبدأ التنفيذ؟! أم أن الأمل لا زال صعب المنال؟!

اقرأ أيضاً:

فلسفة التسامح

الأنا والآخر في تجليات الاختلاف الفلسفي

الأبعاد الجمالية لأخلاقيات البيئة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

د. محمد حسن أحمد جمعة

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية جامعة دمياط

مدير وحدة ضمان الجودة والاعتماد بكلية التربية

وكيل كلية التمريض لشئون التعليم والطلاب

منسق عام جامعة دمياط لمحو الأمية وتعليم الكبار

مقالات ذات صلة