مقالات

حياة الفلاسفة: رَفَه الجهل ومعاناة الحكمة

مقدمة:

لقد بدأ السعي نحو فهم الحكمة من الحياة على الأرض منذ بداية تواجد الإنسان على وجه البسيطة، فعلى مر التاريخ اهتمت أعظم العقول البشرية بالتفكير في الحكمة من الحياة، مفهومها وطبيعتها وكيفية بلوغها، والمعايير التي تستند إليها، وقد أدلى كل مفكر أو فيلسوف بدلوه في هذا الأمر، فقدموا عبر عصور التاريخ المختلفة مفاهيم وتفسيرات شافية حول فلسفة الحكمة، لكن اختلفت المعايير التي تستند إليها هذه الحكمة من عصر لآخر، الأمر الذي أصبح لافتا للنظر، حيث بات الباحثون عن معنى الحكمة في معاناة كبيرة، بينما يرفل الجُهال في رغد العيش وطِيبه وسعة الرزق والنعيم.

من ثم يقدم كاتب هذا المقال فرضية مفادها أن معنى الحكمة من الحياة الكامن داخل المتون الفلسفية المختلفة على مر العصور قد يفهم من خلال تعريف فلاسفة هذه العصور للفلسفة وطريقة توصيفهم لها في الحياة، حيث يعبر تعريف الفلسفة في كل عصر من العصور عن معاناة الحكماء،

وخلاصة تجارب وخبرات محبي الحكمة ومفكريها، وفي الجانب الآخر يعرض رفاهية الجهل. فما هي الفلسفة التي يجب على الفيلسوف اتباعها ليعيش حياة طيبة كريمة، ومن ثم يبلغ درجة الحكمة في أمور الحياة؟

معنى الحكمة، وما هو الحكيم:

معنى الحكمة في لسان العرب: الحكمة تأتي من جذر الكلمة حَكَم يحْكُم، حِكمة.

يقال أن الحكيم هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل الحكيم ذو الحكمة، والحكمة : عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم. والحكمة في المعجم الفلسفي لجميل صليبا تعني: العلم والفهم، والحكمة تعني كذلك العدل والكلام الموافق للحق، وصواب الأمر وسداده، ووضع الشيء في موضعه، وما يمنع من الجهل والعلة.

ولا يتضح معنى الحكمة في تاريخ الفلسفة إلا إذا تم النفاذ إلى صميم المشكلات الفلسفية والاطلاع على طرق الفلاسفة في التفكير فيها وتحليلها والبرهنة على الحلول التي ينتهون إليها، وهكذا، فكان تعريف الحكمة لا يأخذ مكانه ولا يكون مفهوما إلا في المرحلة التي يفهم صاحبها هذه المشكلات والبراهين على حلولها.

إن تعريف الحكمة أيضا يتوقف على نظرة كل مذهب فلسفي، وعلى سمة العصر الذي تنتمي إليه هذه المذاهب، وعلى طبيعة المنهج الذي يتخذه كل اتجاه من الاتجاهات الفلسفية المختلفة، والمشكلات التي يجعلها محورا له.

من هذا المنطلق آمن الإغريق القدماء بمفهوم “يودايمونيا eudaimonia” الذي يعني “السعادة” أو ”الرخاء”، حيث اعتقد جميع الفلاسفة اليونانيين العظام -سقراط وأفلاطون وأرسطو- أن الحياة الجيدة تعني العيش في حالة من “الرفاهية”، رغم المعاناة الكبيرة التي عاناها كبيرهم سقراط. من ثم اختلفت التفسيرات حول المقصود بالرفاهية، فاعتقد بعض الباحثين أن المقصود بالرفاهية يمكن العثور عليه في الفضائل (مثل ضبط النفس والشجاعة والحكمة).

فعلى سبيل المثال، اعتقد أرسطو أن “الرفاهية الإنسانية” لا تتطلب شخصية جيدة فحسب، بل تحتاج كذلك إلى ممارسة الأفعال وتحقيق التفوق فيها. بينما اعتقد الفيلسوف أبيقور أن الحياة الجيدة تتحقق باللذة والتحرر من الألم والمعاناة([1]).

فنجد الرفاهية الإنسانية عند أرسطو تشبه في مدلولها الحكمة، بينما اللذة الأبيقورية تفضل العيش في ملذات الجهل على الحياه بمعاناة الحكمة. ففلسفة أبيقور هي النشاط العلمي والعملي الذي يحقق السعادة في الحياة، بغض النظر عن كونه فضيلة أو رذيلة.

الفلاسفة بين البحث عن السعادة والوقوع في المعاناة:

لعل التعريف الملائم للفلسفة والذي يدعم السعي نحو بلوغ الحكمة هو الذي ذهب إليه غالبية الفلاسفة على إنها “المعرفة الناشئة عن العقل”. فهذا التعريف رغم إيجازه جدير بالإشادة، ولا سيما بعد أن انسلخ عن الفلسفة معناها العام –أن الفلسفة أم العلوم– الذي كان يُطلَق عليها في القرون الخمسة قبل الميلاد، والذي امتد حتى نهاية القرون الوسطى.

ذلك التعريف الذي ينظر إلى الفلسفة على إنها علم المعرفة الكلية المطلوبة لذاتها، تلك الناتجة عن خبرات العقل المتراكمة، والتي انتقلت من السابقين إلى عقول الفلاسفة، ففحصوها من جديد وتأكدوا من صلاحيتها وصاغوا مذاهبهم ووجهات نظرهم حول الحكمة بناء عليها.

لكن ثمة حقيقة تاريخية تؤكد اختلاف الفلاسفة في مذاهبهم ومناهجهم حول بلوغ الحكمة، حيث ترى العقلانية أن السعادة والرفاهية هي التي يجب أن يلاقيه الحكيم في طريق الحكمة، لكن الواقع غير ذلك، فنجد الساعين إلى المعرفة ومن ثم الحكمة يعانون الأمرين، ويعانون كذلك مُرَّ السعي إلى فهم العالم وتفسير الأفعال البشرية والعكوف على ذلك، ومُرَّ النظرة السيئة من المجتمع إلى الحكيم، ورفضه لأفكاره، ومحاربة انتشارها بين الناس، والتضييق عليه وعلى مريديه في شتى الأمور.

وما حدث مع سقراط وجاليليو خير دليل على معاناة الفلاسفة والمفكرين في سبيل الحكمة.

تتحقق الحكمة من الحياة في نظر كاتب هذه الكلمات عندما يحدث انسجام العقل مع القلب والوجدان في النظر إلى سياقات الحياة المختلفة، إنها الإنسانية في أبهى صورها، حيث تتجلى الموضوعية الدينامية، تلك التي تلتزم بالموضوع دون إغفال الانفعالات البشرية ضمن حالة واقعية بعينها، إذن الحكمة  تتلخص في المعقولية الإنسانية وليس العقلانية الحسابية.

من ثم نجد صاحب الحكمة مهموما، مشغولا بقضايا وطنه ومجتمعه، يحمل مِشعل تنوير رغم السهام الموجهة إلى جسده، ينثر نور الحكمة ليروي به بذور الفكر أملا في إنبات المعرفة، رغبة في كشف الحكمة من الحياة، والتي تبحث لها عن موضع في مجتمع واعد.

المصادر:

[1] -Evelyn Marinoff: What Is the Meaning of Life? A Guide to Living With Meaning, Life hack, November 26, 2020.  https://www.lifehack.org/815581/whats-the-meaning-of-life.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

حقيقة الفلسفة

تهميش الفلسفة وسطوة اللاعقلانية في العالم العربي

طريق المعرفة والسعادة

د. وائل صبره

عضو هيئة تدريس بجامعة سوهاج، مدرس الفلسفة ومناهج البحث كلية آداب

مقالات ذات صلة