علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

آفات المجتمع تظهر في أزماته

الشدائد كاشفة لمعادن النفوس

القيم الإنسانية معيار القياس:

من الطبيعى أن يُنادى الكثيرون إن لم يكن الجميع بالفضيلة؛ بل ويتظاهروا في مواقفهم بأنهم يقدمونها على مصلحتهم الخاصة ولكن في الحقيقة يظل الكلام كلامًا ما إن لم يتبعه القائل بفعله، ولأن القيم الإنسانية شيء سامٍ ورفيع؛ دائمًا ما نجد الناس تتمسح بها؛ فينادى المجتمع بالعدالة وعدم الاستغلال من قبل التجار مثلاً

أو أي مؤسسة تقوم بتقديم منتجاتها، فنجد كذلك إعلانات أغلب الشركات تتحلى بالكثير من القيم الأخلاقية الاستعطافية وتقدم القيم كمساعدة الآخرين، أو تحويل جزء من الربح لمؤسسات خيرية في المجتمع والقائمة تطول في ذلك، ولكن إن كانت حقًا القيم الإنسانية شيء يُعلي من مكانة صاحبه فنقول هذا صادق أو عادل أو شريف أو كريم؛ فتصبح مدحًا لمن يتصف بها فلماذا إذان لا تصبح مجرد شعارات عند الكثيرين؟! وأن يقوموا بترجمتها في سلوكياتهم بينهم وبين بعضهم؟

فمثلاً سنجد أغلب البائعين يُقسم لك ألف مرة بلائحة طويلة من القسم بأنه ما تربح من خلف هذا المنتج عدا القليل، وهنا لا نشك في مصداقية أحدًا بعينه، ولكن لماذا إذن نفس ذلك المنتج في مكان آخر بسعر أقل هذه المرة؟ هل تنازل بائعه عن مكسبه تلك المرة ؟!

يبدو أن هنالك فروق في تطبيق القيم! فالصدق عند بعضهم مجرد وسام قد يرفعه ليمنحه قليلاً من البريق وسط مجتمعه ولا فائدة أخرى منه. بالنسبة لهذا المُتصنِّع عدا أنه قد يعينه ذلك على الربح أكثر . وتتعدد الأمثلة في ذلك بالكثير والكثير ، ولكن ألا يُعدّ هذا مرض بالمجتمعات وانحدار لمؤشر أخلاق أغلب الناس فيه؟ وهل هذا لا يُعد خطيرًا إن استمرَّ أو تَضخَّم؟

تبعيات لا تنتهي

قد تظهر خطورة مرض ما كان يشكو منه مريض بعد ظهور مرض جديد؛ فينصح الطبيب المريض بالبدء في علاج مرضه الأول؛ فقد يحدث علاجه علاجاً لما ترتب عليه من مرض آخر ولنضرب هنا مثالاً بالسمنة فقد يستمر بها المرء فترة من الزمن فتجد أنه بعد ذلك أنه قد اشتكى من آلام في الركبة نتيجة الخشونة أو ارتفاع أو انخفاض في الضغط لضيق الشرايين أو الأوردة أو إصابته بمرض السكر لخمول البنكرياس أو غيرها من تبعيات السمنة، وهنا ما فائدة التعامل مع أحد التبعيات للمشكلة دون حل المشكلة ذاتها؟!

فمن الممكن ضبط الضغط وتناول الأنسولين أو غيرها، ولكن ستظل التبعيات تتوالى ولن نحل المشكلة من الأساس؛ لذلك ينصح الطبيب المريض أولاً بالتعامل مع المشكلة الأصلية لسهولة التعامل بعد ذلك مع تبعياتها أو التخلص منها إن أمكن، ومثالنا هنا ينطبق كذلك مع المجتمع؛ فوجود أمراض ما فيه قد لا تظهر خطورتها إلا برؤية تبعيات لها وقد كان.

فكما قيل ” الشدائد كاشفة لمعادن النفوس ” فظهر بعد بدء جائحة كرونا في مجتمعنا أمراضًا عديدة في الحقيقة هي ليست أمراضًا جسدية بل أمراضًا أخلاقية كالجشع والاستغلال والانتفاع على حساب حوائج الناس، وكانت من تلك النماذج مثلاً تسارع الكثير من شركات الإنتاج للملابس على تصنيع كمامات أو كذلك تسارع البائعين على تخزين البضائع منها و ما يهم هو أن هؤلاء لا يزيدون من تربحهم على حساب حاجات الناس،

فلا مشكلة من أن يكسب البائع عدلاً دون أن يجور ويستغل، وتلك الأمراض أمراض تَنُم على أن مجتمعاتنا تواجه انفلات أخلاقى وتغيُّب عن القيم الإنسانية عند الكثيرين، وهذا إن بدا كثيرًا الآن فكانت نماذجه قليلة في الماضى؛ فماذا حدث للكثير من الناس وسط وجود أعراف وعادات وتقاليد تتشبث بالقيم وتُرسخها ولا تتنازل عنها؟!

العوامل المؤدية لتشكيل سلوك الأفراد

الأسرة

فقديمًا كنا نسمع عن سلوكيات الناس فكانت تنم على أخلاقيات نبيلة اندثر أغلبها حاليًا، وإن أردنا الإشارة للعوامل المؤدّية لذلك؛ فلتكن هي العوامل التي تُشكل شخصية الفرد في المجتمع وكل ما يتأثر به فيه انطلاقًا من الأسرة التي قد مرضت وخرجت عن كونها الخلية الأم لتكوين مجتمع فاضل

حيث يجتمع زوجان تجمعهما رابطة أخلاقية مشتركة وأهداف شخصية ومجتمعية راقية وإنسانية تهدف لِتقدم كل أفراده، وكذلك النهوض بمجتمعهم، بخوض غمار معوقاته المادية والقيمية وسط محيطهم وبيئتهم، أب يخرج لطلب الرزق وسد حاجات أسرته

وأم ترعى وتربى متكاتفين سويًا على تخطي أي معوق يقابلهم وحريصين على تطور أنفسهم وشخصياتهم على كافة النواحى سواء الأخلاقية النفسية أو المادية مصلحين بصلاحهم في محيطهم الضيق ومربيين للنشء يضعان للقيم الإنسانية المرتبة الأولى في التعاملات المجتمعية؛ فنجد أبناءًا تحترم المعلم والزميل والصديق والجار و أي شخص كان.

المدرسة

وتأتى المدرسة والهيئات التعليمية في ثاني مرتبة بعد الأسرة حيث تُعَد المُربِّى والمُشكِّل بقدر كبير لشخصية الطلاب؛ فإن كانت مناهجها تحمل في أول بنودها أهمية الأخلاق والعملية التربوية للفرد والمجتمع أخرجت مثالاً إنسانيًا تصلح به أي هيئة يعمل بها وأي مكان يتواجد فيه وذلك لما رسَّخته من أدب وقيم في تلك الشخصية قبل أن تعلمه أي من علومها.

البيئة

وتأتى في المرتبة الثالثة البيئة وقدرة الانصهار بين الأصحاب والزملاء والتعاملات بين الناس على التأثير بشكل كبير في شخصية الفرد وهنا إن كان الفرد لم يعد بالغًا (راشدًا ) عاد إلى الأسرة جزء من الدور فى الرقابة والحرص على النصح للأبناء وإن كان فردًا راشدًا؛ فيأتي الدور على العقل وما يتمتع تفكيره من سلامة أو منطقية لكى يكون حريصًا على ألا ينقل أو يُقلد أي سلوك ما إلا حين يتأكد من سلامته.

وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي

وتأتى في المرتبة الرابعة وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي؛ فكوننا الآن مجتمعات مفتوحة ينتقل فيها من أقصى الشمال إلا أقصى الجنوب الأعراف والعادات والتقاليد؛ منها ما هو سليم ومنها ما هو خاطئ ومنها ما هو الأكثر خطورة؛ وهو ما اختلط فيه الصواب والخطأ، فتناقلت الأفكار والمناهج والأعراف وفى هذا نفع كثير ولكن يوجد كذلك لمن لا يحرص على الانتقاء لما هو سليم خطورة كبيرة؛ فقد تشكل بأثرها الكثير من الشخصيات بداخل المجتمعات وهنا كذلك يعود بعض الواجب على الأسرة في مراعاة سلوكيات أبنائهم وعاداتهم.

الفكر المادي وترويجه للحياد عن القيم

وسط تلك العوامل المختلفة التي تتكامل جهودها ولا تنفك عن بعضها في كونها المشكلة لشخصية الفرد بداخل المجتمع قد زحف إلى العقول فكرًا بشكل جديد يصيغ أى جمالاً بشكل مادى، و يُقدم المنفعة والربح على أي قيم إنسانية وهو الفكر المادي الذى جعل الأناقة في عارضي الأزياء والجمال في مستحضرات التجميل والنجومية في بعض السلوكيات أو امتلاك أشياء باهظة الثمن

وكلها تسويق لبضاعة واحدة ألا وهى السعادة؛ ذلك المطلب الإنساني الذى إن اختلفت العصور ظل هو مطلب معاصريها، صياغته لطرق الحصول على السعادة مغلوطة حيث أهمل كليًا وجود الجانب المعنوي لدى الإنسان وكذلك ضرورة القيم الإنسانية والأخلاق في رقى وتحضر المجتمعات ونهضتها

دور النخب والمفكرين

وبعد أن تبعه الكثير من الناس؛ أتى ضرورة ظهور مرتبة أخرى هي الأخيرة وقد تكون الأهم في عصرنا الحالي والتي تُعد أحد عوامل تشكيل الشخصية وهى النخبة من مفكرين المجتمع ومصلحيه والذى يقع على عاتقهم أن يُظهروا علل المجتمع ويقدموا حلولاً لمشكلاته ويشيروا لضرورة تشكيل القيم الإنسانية والأخلاقية لسلوكيات الأفراد في المجتمع ويضعوا للأسرة والمؤسسات التعليمية والأعلام الأُطر العامة والأساسية التي يجب أن تُقدَّم من خلالها أطروحات تلك الجهات من مناهج ومواد إعلامية وطرق تربوية سليمة.

فإن كانت المجتمعات عبارة عن مجموعة من أسر، وكانت الأسرة الواحدة مجموعة أفراد؛ فانطلاقًا من إصلاح الفرد يصلح المجتمع والعكس صحيح ؛ فهل الصورة الحالية للأسرة والفرد -في رأيكم- تُبشِّر بكونها لَبِنَة صالحة لقيام مجتمع صالح؟!

اقرأ أيضا:

مدى تشكيل القيم والمبادئ الإنسانية لسلوك الفرد

صراع القيم

ربتوني كويس ليه؟

اظهر المزيد

محمد سيد

عضو بفريق بالعقل نبدأ أسيوط

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى