مقالات

المعرفة الحدسية المباشرة: نفسيًا وفسيولوجيًا .. الجزء الأول

رغم تنوع مصادر المعرفة، ما بين حسية تجريبية وعقلية استدلالية وعقلية حدسية مباشرة، إلا أن هذه الأخيرة تكاد تكون سمةً مُميزة وفارقة للكشف العلمي، فلئن كان الكشف العلمي يخطو أولى خطواته بدهشة حسية،

ويصاحب في طريقه نمطًا من أنماط الاستدلال العقلي المنطقي، إلا أنه في جوهره لا يعدو أن يكون قفزة حدسية مباشرة لا تُكتسب بالتجربة أو بالجهد الواعي للعقل.

وما نعنيه هنا بالحدس هو تلك الرؤية الكلية المباشرة للمعاني العقلية المجردة، أو ما دعاه «إدموند هوسرل» Edmund Husserl (1859 – 1938) بالقدرة على إدراك الماهيات. وبهذا المعنى يمثل الحدس ضربًا من المعرفة الميتافيزيقية المجاوزة لإدراكات الحواس والنشاط الواعي للعقل.

الحدس الفيزيائي

 

يُعبِّر الرياضي الألماني «كارل فريدريش جاوس» Carl Friedrich Gauss (1777 – 1855)، الذي حاول لمدة عامين أن يبرهن على نظرية رياضية دون جدوى ثم نجح فجأة، عن ذلك قائلًا: «أخيرًا نجحت منذ يومين، لم يكن ذلك بسب جهودي المضنية ولكن بفضل من الله.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وكومضة برقٍ مفاجئة، حدث أن حُل اللغز، وأنا نفسي لا أستطيع أن أتكلم عن كُنه ذلك الخيط الهادي الذي يربط بين ما عرفته من قبل، وما جعل نجاحي ممكنًا».

كذلك لم يكن اكتشاف «آينشتاين» للنسبية سوى قفزة حدسية مباشرة يسبقها بعث حسي ويتبعها استدلال عقلي. حقًا إن «آينشتاين» لم يدخل معملًا قط، لكنه استفاد بالطبع من ملاحظات وتجارب سابقة،

لذا كتب يقول: «إن غاية ما يصبو إليه الفيزيائي هو أن يصل إلى تلك القوانين الأولية العامة التي يمكن أن يبني على أساسها صورة الكون عن طريق الاستدلال البحت. وليس هناك طريق منطقي إلى هذه القوانين، إن الحدس وحده، الذي يرتكز على الفهم المتعاطف مع التجربة، هو الذي يستطيع أن يصل إليها».

الاتجاه الحدسي في المعرفة

images 43964886165. - المعرفة الحدسية المباشرة: نفسيًا وفسيولوجيًا .. الجزء الأول

نستطيع القول أيضًا أن مراحل الكشف العلمي لنظرية الكم كانت في جوهرها سلسلة من الحدوس العقلية المباشرة، بدءًا من اشتقاق «ماكس بلانك» Max Planck (1858 – 1947) للصيغة الرياضية الحاكمة لإشعاع الجسم الأسود، ومرورًا بافتراض «لويس دي بروي» Louis de Broglie (1892 – 1987) لازدواجية طبيعة الإلكترون الموجية – الجسيمية،

ووصولًا إلى مبدأي «اللا يقين» Uncertainty Principle و«التمام» Complementarity principle لكلٍ من «فيرنر هيزنبرج» Werner Heisenberg (1901 – 1976) و«نيلز بور» Niels Bohr (1885 – 1962). يتضح ذلك من أقوالهم التي وصفوا بها تلك الكشوف،

حيث ذكر «بلانك» مثلًا أنه شعر كما لو كان قد توصل إلى كشف من الطراز الأول، ربما لا يضارعه إلا اكتشافات «نيوتن»، بينما علَّق «هيزنبرج» على اكتشاف «بور» لمسارات الكم الإلكترونية قائلًا: «إن استخدام بور للميكانيكا الكلاسيكية وميكانيكا الكم يُشبه تمامًا استخدام الرسام للفرشاة والألوان.

بالطبع فإن أية صورة لا تتحدد من الألوان والفرشاة، ولكنهما لازمتان في إخراج ما يدور في مخيلة الفنان، إن بور يعرف تمامًا تصرف الذرات أثناء الظواهر الضوئية، وأثناء التفاعلات الكيميائية، وقد أكسبته هذه المعرفة عن طريق الحدس تصورًا لتركيب الذرات المختلفة».

مبدأ اللايقين عند هايزنبرغ

أما «هيزنبرج» نفسه، فيصف الظروف التي أحاطت باكتشافه لمبدأ اللا يقين قائلًا: «ربما كان الليل قد اقترب من منتصفه في ذلك اليوم الذي بدا فيه الحل قريبًا مني، حين تذكرت فجأة محاورتي مع آينشتاين، وخصوصًا قوله: إن النظرية هي التي تحدد ما نستطيع مشاهدته بالفعل.

لقد تجلى لي على الفور أنه يتحتم البحث عن مفتاح تلك البوابة المغلقة في هذا الموضع، ولم يكن أمامي سوى القيام بجولة خلال حديقة الفاليه Fælledparken (إحدى حدائق مدينة كوبنهاجن)، مأخوذًا بالتفكير العميق في عواقب مقولة آينشتاين».

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ماذا إذن عن كيفية القفزات الحدسية المباشرة؟ كيف يقوم العقل بتلك القفزات؟ وما الذي يضمن لنا صحتها؟ تستلزم الإجابة عن هذا السؤال أن نطرق أبواب علمي النفس والفسيولوجيا.

يتبع

اقرأ أيضاً:

نيوتن عاريا!

مكانة العقل في الفلسفة العربية

الفرق بين التفكير الاستقرائي والاستنباطي

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة