علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

العلاج بالتقبل والالتزام: مخططات أساسية

العلاج بالتقبل والالتزام (Acceptance and Commitment therapy ACT) أحد علاجات الموجة الثالثة من موجات تطور العلاج المعرفي – السلوكي، نشأ في منتصف الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين، ويعد من العلاجات النفسية المعاصرة القائمة على الدليل، ويرتكز على ما يمكن تسميته التدخلات التعليمية – التدريبية، بما يعني يعتمد فيه مباشرة على عددٍ من التدريبات والأنشطة والممارسات والفنيات المباشرة التي يمكن تعليمها للعميل.

خطوات العلاج بالقبول والالتزام

يرتكز العلاج بالتقبل والالتزام على ما يمكن تسميته الاشتياق أو التوق واللهفة للدوران في إطار ستة بناءات أو مراحل أو خطوات كبرى، تتضمن عمليات نفسية مباشرة تمكن المعالج من فهم حياة مريضه، وما الذي يعانيه؟ وأين هي المنطقة التي تعثر فيها وعلق بها؟ ويقال حديثًا أن العلاج بالتقبل والالتزام يستهدف عن طريق استخدام عديد من الأنشطة والتدريبات والممارسات تلبية توق العميل وإشباع اشتياقه إلى ستة مجالات يتمركز حولها ذلك الاشتياق، وتتمثل فيما يلي:

  1. الاشتياق إلى الانتماء إلى العالم من حوله (yearning to belong in the world).
  2. الاشتياق إلى معرفة الوجهة الشخصية في الحياة (yearning to orient).
  3. الاشتياق إلى الشعور الوجداني أو الشعور والخبرة بالنطاق الواسع للانفعالات والمشاعر (yearning to feel).
  4. الاشتياق إلى الشعور بالتماسك (yearning for coherence).
  5. الاشتياق إلى المعنى الموجه ذاتيًا أو إلى التحديد الذاتي لمعنى الحياة والغرض منها (self-directed meaning).
  6. الاشتياق إلى الكفاءة “كفاءة الذات وامتلاك زمام الذات” (yearning for competence).

وعند تمكين العميل مع تعرف ما يشتاق إلى تعلمه واكتسابه وتحديده، يتوجه المعالج مباشرة إلى تدريبه وتعليمه كل ما يمكن أن يؤدي بالعميل إلى اكتساب “المرونة النفسية” (Psychological flexibility)، أي المرونة في رؤية العميل لذاته، والمرونة في تعرف مشاعر الذات ورصدها ومشاعره وانفعالاته تجاه الآخرين وتجاه الحياة بصفة عامة، والمرونة في تعرف طبيعة علاقة الشخص وإدراكه بذاته وأفكاره، وتمكينه من توجيه ذاته سلوكيًا في إطار قيمه الشخصية أو ما له قيمة وأهمية كله من وجهة نظره.

النموذج السداسي لبنية العلاج بالقبول والالتزام

وعلى ذلك يتركز العلاج بالتقبل والالتزام على تعليم المرضى تطبيق المهارات الأساسية خارج نطاق الجلسة العلاجية، في إطار محاور محددة للتدريب وفقًا لما يعرف بالنموذج السداسي لبنية العلاج بالتقبل والالتزام، تتمثل في:

  • مهارات التمييز بين القيم في مقابل الأهداف.
  • المثابرة.
  • اليقظة الذهنية.
  • عدم تجنب المشاعر.
  • الفصل بين الأفكار والذات.
  • تنمية الهمة والدافعية والطاقة الذاتية.
  • فهم دلالات خبرات الحياة ومعاني وقائعها.
  • الوعي بالذات.

ثم يتوجه المعالج النفسي إلى تعليم المريض ما يعرف باسم “التخطيط القائم على الفعل المفعم بالوعي” (Mindful action plan)، وفقًا للتدريبات وأوراق العمل والتدريب التي ابتكرها دانيال جي موران (Dr. J Moran).

أولًا- النقاط الأساسية

  • ممارسة تدريبات اليقظة الذهنية جزء أساسي في نموذج العلاج بالتقبل والالتزام.
  • اليقظة الذهنية: حالة امتلاء التكوين الذهني للشخص بالوعي نتيجة تركيز انتباهه عن قصد في اللحظة الحاضرة، دون تقييم نقدي أو توجه لإسقاط أحكام تقييمية على ما يدور حوله أو داخله.
  • لممارسة تدريبات اليقظة الذهنية فوائد مثبتة إمبيريقيًا، على الأقل في تنمية المرونة النفسية وتعزيزها.

ثانيًا- تعريف العلاج القائم على القبول والالتزام

تأسست صيغة العلاج النفسي القائم بالقبول والالتزام على مبادئ مثبت فعاليتها إمبيريقيًا تستهدف تحسين “المرونة النفسية” (psychological flexibility)، عن طريق تأثيرات ممارسات اليقظة الذهنية مع مبادئ علوم تطبيق السلوك وفنياته القائم على الأدلة.

وعلى ذلك فإن ممارسة اليقظة الذهنية جزء أساسي في نموذج العلاج بالقبول والالتزام، وتعلم ممارسة اليقظة الذهنية وتدريباتها أمر ليس معقدًا بالصورة التي قد يتصورها البعض، إنه أمر يشبه الطريقة التي يتعلم بها الإنسان قيادة الدراجة، قد تقرأ عنها لكنك لن تتعلمها إلا إذا مارستها بالفعل، لذلك قد يكون من المفيد أن تبدأ في ممارستها من الآن.

باختصار تُعلِّمك اليقظة الذهنية ما يلي:

  • التركيز مباشرة والانتباه التلقائي الإرادي لما يحدث حولك كله هنا والآن.
  • اللحظة الحاضرة هي اللحظة التي يحدث فيها السلوك الفعلي الآن.

ثبت أن ممارسة الإنسان لليقظة الذهنية على هذا النحو يصبح أكثر مرونة نفسية وأكثر توجهًا في الوقت نفسه نحو قبول ما يحدث حوله وداخله وعيًا وإدراكًا، مع امتلاء تكوينه النفسي بالالتزام بالمبادرة الذاتية التلقائية لأداء الأعمال التي يستطيع فعلها، لتغيير ما هو قابل للتغيير في الاتجاه الإيجابي.

وتأسيسًا على ذلك تعرف “اليقظة الذهنية” وفقًا لتصورات جون كابات زين (Jon Kabat-Zinn) بأنها: “امتلاء التكوين النفسي للشخص بالوعي نتيجة تركيز انتباهه عن قصد في اللحظة الحاضرة على ما يحدث حوله وداخله، دون تقييم نقدي ودون التوجه لإسقاط أحكام تقييمية”.

لا تتوقف ممارسة اليقظة الذهنية في إطار العلاج بالقبول والالتزام على تنمية المرونة النفسية فقط، بل لها فوائد أخرى عديدة ذكرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس، منها:

  • خفض ملامح الكرب النفسي.
  • تحسين الذاكرة العاملة.
  • تقليل الاجترار.
  • تقليل ردود الأفعال الانفعالية.
  • تأسيس علاقات مفعمة بالرضا والود.

وقد يترتب على استدامة ممارسة اليقظة الذهنية بالمعنى المشار إليه زيادة بصيرة الشخص، وتقوية حدسه وقدرته على التخلص من مخاوفه، وترتبط هذه الوظائف كلها بما يعرف بمنطقة الفص الجبهي الأوسط في الدماغ.

تفيد نتائج دراسات أخرى عديدة وجود فوائد كثيرة للتأمل كونه مكونًا رئيسيًا في اليقظة الذهنية لتحسين استجابات المناعة، وتحسين طيب الحياة والهناء فيها، وتقليل التوتر والارتباك والتشتت، وخفض الإجهاد والضيق النفسي.

للمزيد راجع:

Moran, DJ. (2022). ACT and Mindfulness: Understanding The Relationship. Psychotherapy Academy, a platform by Psych Campus, LLC.

مقالات ذات صلة:

الاغتراب النفسي والديني وسبل العلاج

الصحة النفسية، تعريفها، أهدافها، أسبابها، وكيفية تعزيزها

فضيلة المرونة الذهنية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . محمد السعيد أبو حلاوة

اختصاصي الصحة النفسية والإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة دمنهور