مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

العقل والنص – الجزء الثاني

في دردشتنا السابقة “العقل والنص(1) العقل النظري والعقل العملي والنص“- حاولنا مقاربةَ معرفةِ العَلاقة بين “العقل والنص”. عرفنا أنه ليس للعقل النظري الخالص دور المشرع في الأمور الدينية، ولا مجال له في التحريم أو التحليل في الشرع،، وفي دردشتنا الحالية نسأل: فهل يعني ذلك أي رفض للعقل؟

دورُ الفهمِ للعقل النظري

اتفقنا على أنه لا يكون العقل النظري مشرعًا، فهذا لا يكون للعقل، بل لخالق العقل عز وجل، إن النص –وحده– وليس العقل الخالص هو الذي يعمل هنا فليس مع وجود النص حكمٌ أساسٌ للعقل الخالص.

مَلَكةُ الفَهْم

ومع ذلك لا ينتفي عملُ العقل النظري تمامًا ولا نطرحه جانبًا، بل نعترف له –حتى مع وجود النص– بدور، وهذا الدور لا يخرج العقل عن طبيعته، أو يجعله يتجاوز حدودَ قدراته البشرية وإمكانياته المحدودة، ونطاق عمله القاصر، إن للعقل الخالص –مع وجود النص، بل ورغم وجود النص– وظيفتين:

الوظيفة الأولى:

العقل النظري يفهمُ مُرَادَهُ تعالى في التحليل والتحريم:

إن العقل النظري هو الذي يتلقى النصَ ويفهمه على ما هو عليه فقط، وهو –أي النص– أساسًا مفتوح على العقل النظري إلا في نقطة واحدة للنص فيها –وهو المحرك للعقل العملي– اختصاصٌ مطلقٌ وسيادةٌ كاملة هي: “افعل ولا تفعل“، أي منطقة التحليل والتحريم.

الوظيفة الثانية:

العقل النظري يفهمُ مراداتِهِ تعالى في مسائل الآخرة:

إنَّ مسائلَ الآخرةِ: الموت والقبر والبعث والحساب والجنة والنار، هي أيضًا داخلة في حدود اختصاص النص وليس للعقل النظري إلا وظيفة الفهم فقط. إن أعظم العقول الجبارة لا يمكن لها –وليس بمقدورها– أن تقرر بصفةٍ مستقلةٍ تمامًا عن النص ما يحدث بالضبط، وما سيحدث في العالم الآخر، حين يفنى هذا العالم وتبدأ رحلةُ الإنسانِ نحو الأبدية.

إن العقل، بما هو عقل نظري، غير مختص بهذا، إن هذا من اختصاص النص ولا تعمل ملكةٌ من مَلْكَات العقل هنا إلا مَلَكةُ الفَهْم. وملكة الفهم لا تشرّع حكماً شرعيًا؛ المشرع هو الله وحده، وعن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم، بل مَلَكةُ الفَهْم تتلقى الحكمَ وتتفقه فيه فقط.

انقسامُ الناسِ بشأن العقل

وبناءً على هذا الفهم الواضح والدقيق للعقل، بما هو عقل، نجد أن الناس قد انقسموا إلى فريقين بخصوص دور العقل:

أحدهما: أفْرَطَ، فخَرَجَ من حكم العقل.

والثاني: قصَّرَ، فخَرَجَ عن حكم العقل.

وكِلا الفريقين مخطئٌ لأنه: من ادعى في العقل ما ليس فيه كمن أخرج منه ما فيه ولا فرق. فالفرقة التي تبطل العقل بالجملة، يرد عليها الفقيهُ والفيلسوفُ ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) قائلا: “ولكنَّا قلنا إنَّ في القرآنِ التنبيهَ لأهلِ الجهلِ والغفلةِ وحسمَ شغب أهل العِنَاد، وذلك أن قومًا من أهل ملتنا يبطلون حججَ العقول، ويصححون حججَ القرآن، فأريناهم أن في القرآن إبطالَ قولِهم وإفسادَ مذاهبِهم”.

ويرد ابن حزم على الفرقة الثانية: “التي تستدرك، بعقولها، على خالقها عز وجل أشياءَ لمْ يحكم فيها ربهم بزعمهم، فثقفوها هم ورتبوها رتبًا أوجبوا أن لا محيصَ لربهم تعالى عنها، ولا تجري أفعالُه عز وجل إلا تحت قوانينها”. ويطلق ابن حزم حكمه على كلا الفريقين فيقول: “ولقد افترى كلا الفريقين (المفرط والمقصر) على الله عز وجل إفكًا عظيمًا وأتوا بما تقشعر به جلودُ أهلِ العقول”.

في دردشتنا القادمة- بإذن الله- وعنوانها “العقل والنص(3) خَارِطَةُ العقل” سنحاول أن نجمل كل ما سبق، وسنحاول أنْ نرسمَ خارطةً دقيقةً للعقل.

اقرأ أيضاً:

رائد الاتجاه العقلاني في بلاد المشرق

الأفعال البشرية بين العقلانية والمعقولية

لماذا نبدأ بالعقل؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج

مقالات ذات صلة