مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

العقل والنص – الجزء الثالث

خَارِطَةُ العقل "دورُ العقلِ النظري الخالص وعلاقته بالنص الديني"

في دردشاتنا السابقة –صديقي القارئ صديقتي القارئة– حاولنا مقاربةَ معرفةِ العَلَاقة بين “العقل والنص“. ويمكن إجمال ما استخلصناه، بخصوص العقل النظري وعلاقته بالنص الديني، في ثلاث نقاط رئيسة، على النحو الآتي:

النقطة الأولى: أصولُ العقيدةِ والشريعةِ:

إن المعرفة بأصول العقيدة والشريعة تكون مستمدةً من معرفة تالية، وهذه المعرفة التالية (أي البراهين التي ترجع، من قرب أو من بعد، إلى أوائل الحس وبديهيات العقل) يجب أن تكون معرفةً مؤسسةً على المعرفة الأولية البرهانية (أوائل الحس وبديهيات العقل)، وعلى ذلك تُؤسس أصولُ الشريعةِ والعقيدةِ على البرهان المنطقي، كما حاول ذلك كثيرٌ من فلاسفة المسلمين.

  النقطة الثانية: الحلالُ والحرامُ:

إن العقل النظري الخالص خارج طبيعته أن يقرر ما إذا كان لحم الخنزير حلالًا أم حرامًا، وما إذا كانت صلاة الظهر أربعًا وليست خمسًا أو ثلاثًا، إلخ، ليس للعقل الخالص في مثل هذه الحالات وأمثالها من مسائل الشرع الجزئية إلا مَلَكَة الفهم عن الله ورسوله فقط. إن العقل النظري –والحالة هذه– لا ينشئ أحكاماً تتعلق بالحرام والحلال بل منشؤها ابتداءً هو النص الديني وحده.

 النقطة الثالثة: أمورُ الآخرةِ:

ما يتعلق بأمور الآخرة، من حشر ونشر، وميزان وسراط، وجنة ونار، وملائكة وشياطين، وثواب وعقاب، وسائر الأمور الأخروية، فلا دور للعقل النظري فيها، وإنما الدور الرئيس هو للنص الديني، ولا دور للعقل النظري الخالص، ولا تعمل مَلَكَة من ملكاته ها هنا إلا مَلَكَةُ الفهمِ فقط.

خَارِطةٌ دقيقةٌ وواضحةٌ للعقل

في دردشتنا الحالية نواصل التعرف على مجالات عمل العقل وعلاقة العقل بالنص الديني. ونحاول أنْ نجملَ كلَ ما استنبطناه سابقًا، حتى تتضحَ لنا بقدر الإمكان خريطةٌ دقيقةٌ للعقل.

إن كل معرفة إنسانية تكون:

  1. إما بشهادة الحواس والعقل (أي المعرفة الأولية: المعرفة الفلسفية المنطقية البرهانية= العقل النظري الخالص= المعقول العقلي).
  2. وإما ببرهان راجع إلى شهادة الحواس والعقل (أي المعرفة التالية: أصول الدين وسائر العلوم الطبيعية وعلم الطب والرياضيات، وغيرها من العلوم= المعقول العلمي).
  3. وإما عن اتباع لمن أمر الله تعالى باتباعه وهو النبي. (أي الحلال والحرام، وأمور الشرع الجزئية، ومسائل الآخرة= المعقول الديني).

فمن حاول علاج المرضى بالجن والعفاريت، بدلًا من علم الطب، يكون خارج حكم العقل؛ أنه يريدُ أنْ يخرجَ من العقل ما هو من صميم اختصاص العقل. ومَنْ أرادَ أن يُحَكّمَ العقلَ في عدد ركعات صلاة العصر، أو عدد ملائكة خزنة النار، يكون خارج من حكم العقل؛ أنه يريدُ أنْ يُدخلَ في العقل ما ليس من مجال اختصاصه أصلًا.

ولا فرقَ بين مَنْ يُريدُ أنْ يُخرجَ مِنْ حكمِ العقل ما هو من اختصاص العقل، ومَنْ يريدُ أنْ يُدْخِلَ في العقل ما ليس من اختصاص العقل؛ كلاهما مبطلٌ للعقل.

هكذا يمكن أن تُرسم خارطةٌ دقيقةٌ وواضحةٌ لدور العقل:

النظري والعملي، تتبين فيها حدوده الإنسانية، وقدراته البشرية، وهي حدود وقدرات، مهما بلغت من إمكانيات خارقة، ستظل دائمًا آيةً وعلامةً على عجز الإنسان وتناهيه المطلق. ولو كان الحكمُ للعقل الخالص وحده هو أساس كل شيء في العالم لصار الإنسانُ مطلقًا، والإنسان –بحكم العقل الخالص نفسه– كائنٌ نسبيٌ، بل هو كائن متناهٍ في نسبيته.

وليس ثمة مطلق حقيقي إلا الله تعالى وحده خالقُ العقل وممدهُ بكل قواه الجبَّارة (لكن المتناهية النسبية!)، التي- وبواسطة هذه القوة الإلهية- سُمح للإنسان أنْ يقاربَ معرفته تعالى، مجرد مقاربة، لا تصل إلى كُنْهِهِ وذاتِه العَلّيةِ سبحانه وتعالى!

تلكم باختصار كانت حدود العَلَاقة بين العقل والنص، فماذا عن تفاصيل البرهان المنطقي، وكيف يتحقق اليقينُ لمعارفنا؟ موضوع دردشتنا القادمة –بإذن الله: “العقل واليقين“.

اقرأ أيضاً:

الجزء الأول من المقال

الجزء الثاني من المقال

الأسئلة وطلب المعرفة هو نداء الفطرة السليمة 

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج

مقالات ذات صلة