فن وأدب - مقالاتمقالات

العجوز صاحب الوجه الفريد

اعتدت على احتساء كوبًا من الشاي الأخضر بالزنجبيل في الصباح، وبالرغم من أن البعض يُعدد فوائد عظيمة لهذا المشروب؛ إلا أنَّنِي لا أكاد أجد في وسط مسؤولياتي اليومية فرصة للبحث عمَّا إذا كان مفيد فعلًا على النحو الذي يصفوه أم لا، ربما لو كان سؤالًا ذا أهمية أكثر من ذلك؛ لحاربت من أجل توفير وقت للبحث، ولكن على أيَّة حال؛ إنه مشروب طبيعي ولا أسرَف في احتسائه.

أنهيت مشروبي وأخذت معطفي وذهبت إلى العمل، أنا أعمل في جريدة مسائية تهتم بالقضايا المجتمعية التي يعيشها الناس، وتحاول أن تنخرط وتتغلغل في أوساطهم لتتعرف أحوالهم واهتماماتهم ومعاناتهم وتتحدث عنها بعد إمداد يد المساعدة أحيانًا إن استطاعت، وعملي فيها كمحرر يتطلب مني أن أقوم بعملية التغلغل تلك.

داخل دار المسنين

واليوم؛ المكان المستهدف الذهاب إليه لتفحص أحواله هو دار للمسنين، فتم التنسيق أمس مع مسؤول الزيارات “مدام أمل” ورحبت بوجودي في أي وقت، فقررت الذهاب إلى الدار في العاشرة صباحًا؛ فأنا لا أحب الزيارات المسائية.

لا أستطيع أن أنكر المشقة التي واجهتها حتى أصل إلى هناك، وحينما وصلت وجدت منزلًا كبيرًا يكاد من فرط قِدمه أن يتهاوى أمامي، يبدو أن المنزل مسن كما النزلاء المُسنين بداخله، ولولا وجود لافتة صغيرة مكتوب عليها اسم الدار تُعاني من الصدأ ويعلوها كم هائل من الأتربة وبقايا الطلاء؛ لشككت أنه هو ذاته الدار للمسنين فعلًا.

مدام أمل ومدير الدار

قابلت “مدام أمل” عند المدخل، واتجهنا للداخل مجتازين ممر طويل ثم اتجهنا يسارًا لصعود السلم لمقابلة السيد المدير، ولكني لمحت على الجانب الأيمن حديقة شديدة الاتساع، خلابة المنظر، منعشة الهواء، فأوقفتها برهة لأحاول أن أفهم  تصميم وتوجيهات هذه الدار، فأجابتني أنَّها حديقة للنزلاء ليستنشقوا فيها الهواء، ويتعارفوا على بعضهم البعض، وأن الطابق الأول هو لمكاتب وغرف العاملين في الدار ثم يعلوه سبع طوابق للنزلاء. إنَّه فعلاً ضخم!

أثناء حديثها معي؛ لمحت أحد النزلاء في الحديقة من بعيد، جالس بهدوء على كرسي متحرك، ولكن للأسف لم أستطع تحديد ملامحه جيدًا، نظري يستغيث يريد النظارة الطبية ولكن هيهات، فلقد نسيتها في المطبخ أثناء إعدادي لكوب الشاي الأخضر بالزنجبيل.

صعدت معها للمدير، يبدو أنه رجل حكيم وربما يتعدى عمره الخمسون عامًا أو أقل قليلاً، قابلني بترحاب وأنجزت معه المقابلة الروتينية الضرورية للعمل واستأذنته في التجول في الدار لاستكمال الصورة في مخيلتي حتي استأنف خطوات عملي، فطلب من “مدام أمل” أن ترافقني لأرى ما أريد.

أنهيت رحلتي في السبع طوابق لغرف النزلاء مع “مدام أمل” وطلبت منها أن  نذهب مجددًا للحديقة؛ فأنا واثق أن الروح الحقيقية لهذه الدار هو تلك البقعة الواسعة المنعشة التي تضج بالنزلاء، فأوصلتني لها وتركت لي حرية الحركة وانصرفت، يبدو أنها متعبة ولكن هذا من حسن حظي، فهكذا أفضل لأني أنوي المكوث بضعًا من الوقت.

حديقة الدار والرجل الشاحب

الحديقة  فعلاً واسعة، بها طاولات وكراسي ومقسمة لجزء معرض لأشعة الشمس وزرقة السماء وأماكن أخرى بها مظلات لمن أراد أن يرى ضوء النهار ويستمتع بالهواء دون الاضطرار لتحمل حرارة الشمس، وبينما أتوجه بنظري يمينًا ويسارًا وقعت عيني على ذاك الرجل الهادئ الجالس على الكرسي المتحرك، جلسته مختلفة عن أقرانه، كان جالسًا في الجزء المواجه لأشعة الشمس ويبدو أنه غير آبه بحرارتها، أو أنه في وادٍ آخر شاردًا بذهنه فلا يمثل له واقعنا شيء يؤلمه.

اقتربت منه حتى أرى وجهه وأقسم أنني لم أرَ مثل هذا الوجه أبدًا رغم ألفة ملامحه!

وجه أبيض شاحب، فم مغلق بإحكام وكأن أصابه الخرس، جبينه مرصع بخطوط التجاعيد بفعل الحاجبين المرفوعين لأعلى، وعينان مفتوحتان سابحتان في عالم آخر، وشعر أبيض خيوطه متنافرة.

فكرت أن أعود لمدام أمل أسألها عن حالته ولكن لا أخفي عليكم أني شعرت بالإحراج، لقد أرهقتها اليوم بما يكفي وإن عدت إليها لا أتوقع استجابة ودودة، بدلًا منها وجدت إحدى الفتيات تمر على عدد من النزلاء لتلقي التحية وتجلس معهم دقائق تتحدث إليهم، يبدو أنها مشرفة مثلاً أو ما شابه ومن المؤكد أنها تعرف أحوالهم جميعًا.

حديث مع مشرفة نزلاء الدار

انتظرت حتى أنهت حديثها القصير مع أحد النزلاء وهممت إليها؛ لأعرفها بنفسي وأطلب منها أية معلومات تعرفها عن ذاك الرجل، لا أدري لما هو بالذات أسر انتباهي كله وفضولي رغم أن هناك العشرات من النزلاء في الحديقة، هذا الرجل أرى فيه شيئًا داخلي لا أستطيع وصفه.

كانت فتاة مهذبة ولم ترفض طلبي وأسرعت بالجواب: ” إنه عجوز ذو ستين عامًا، وفد إلينا منذ أسبوع فقط وهو على هذه الحالة الصامتة المريبة منذ مجيئه. لا نعرف عنه شيئًا ولا نعرف ما إذا كان أخرسًا أم فقد القدرة على التعبير أم على التواصل، لا ندري!”.

قلت لها: ” ألم تعرضوه على الطبيب النفسي ؟”

أجابت: ” لقد جالسه د. رامي فعلاً ولكنه لم يعيره أي انتباه ولم ينطق بأي كلمة”

سألتها مستفسرًا: ” إذا كيف وصل إلى هنا ؟”

قالت: ” أحضره شاب في الثلاثينيات من عمره، يقول أنه لا يعرف عنه شيئًا ولكن شاهده وهو مُلقى على الأرض مغشيًا عليه بعد أن صدمته سيارة فنقله إلى المشفى واعتنى به طوال رحلة علاج جسده، وبعد تحسنه أحضره إلى هنا وتعهد بتكفل نفقاته وذهب ” .. ثم استكملت وكأنها تذكرت شيئًا: ” وقال أن الأطباء في المشفى شخصوه بأنه يعاني حاليًا من شلل في ساقيه يمنعه من الحركة وفقدان للذاكرة، يا له من مسكين!”.

هذا يفسر شيئًا عن هيئته التي أمامي فعلاً، فقدان الذاكرة يجعل الإنسان مجردًا إجباريًا من ماضيه، ينتزعه من نفسه فيجدها أمامه مازالت ملتصقة به ولكنه لا يعرفها، يجهل أي شئ عنها.

قررت أن أحادثه، نعم، سأذهب لأحادثه عن قرب.

اتصال لا فائدة منه

ذهبت فعلاً ملتقطًا كرسي ووضعته بجانبه وبدأت الحديث: ” مرحبًا سيدي، أرى أنك جالس وحيد، فما رأيك أن نحتسي كوبين من القهوة معًا؟ فأنا وحيد هنا أيضًا “. لم يلتفت لي؛ فهممت بتعديل بسيط في مقعدي حتى أرى صفحة وجهه بشكل أوضح، وياليتني لم أفعل!

عيناه شديدتا الغرابة، لم أرَ في حياتي نظرة كهذه، هذا الكم الهائل من المشاعر المتناقضة النابع منهما مخيف، ماذا يجول في خاطر هذا الرجل ؟ أيشاهد ما حوله فعلاً أم أنه يرى فيلمًا في مخيلته ؟ ولو كان فيلمًا فأي فيلم هذا الذي يبعث تلك النظرات ؟ نظرات دهشة ممزوجة بالخذلان والحسرة والتيه والألم! لا أستطيع أن أصف ما يشعر به الآن فكيف بشعوره هو!

فقدان الذاكرة يجرد الإنسان من ذكرياته ،ولكنى لا أعلم إن كان يجرده من خليط مشاعر ماضيه أيضًا أم يتركها داخله؟

إنه لشعور صعب أن يكون الخذلان لاصقًا بك، لكنك لا تتذكر من الذي خذلك؟ أنفسك التي خذلتك أم أهلك أم أصدقاؤك ؟ ألك أهل من الأساس أو أصدقاء ؟ وإن كان فأين هم ؟ كيف وقع الحادث ؟ وكيف كان الجسد قبله ؟ بل كيف كانت الروح قبله؟

انقطاع الاتصال والعودة إلى المنزل

استعدت وعيي وشعرت أن حملقتي في وجهه طالت وبدا الموقف خارجًا عن إطار الأدب والرحمة، فقطعت هذا الحرج وقلت له: ” يبدو أنك مرهق كثيرًا أو أنك لا تحب القهوة، سأذهب الآن وسآتيك لاحقًا “، تركت له ورقة عليها رقم هاتفي ثم أعدت المقعد مكانه ورحلت في هدوء.

طوال الطريق عائدًا إلى المنزل وأنا أفكر في هذا العجوز في ذلك الدار ، يفترض بي أن أذهب للجريدة ،ولكن جلستي مع ذاك العجوز- على صغرها – استنفذت معظم طاقتي وها هو الفضول ينهش المتبقي منها.

لابد أن أعرف قصته، سأجن إن لم أفعل، ولكن ربما غدًا لأنني فعليًا حالتي الآن ليست أفضل من هاتفي الذي أعلن إفلاسه ويستغيث لإعادة شحنه.

يُتبع.

اقرأ أيضا:

الحياة بين الظلام والنور

عالم من الزومبي

ما هو تأثير الكلمات على نفوسنا؟ وكيف نُحيي بها ولا نهدم؟

الوسوم
اظهر المزيد

هبة علي

محاضر بمركز بالعقل نبدأ وباحثة في علوم المنطق والفلسفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق