فن وأدب - مقالاتمقالات

العجوز صاحب الوجه الفريد – الجزء الثالث

ها هو مساء يوم الأربعاء، مر أسبوع وأنا أفكر في حكاية هذا العجوز ، لم أستطع بالطبع الذهاب إليه خوفا من عودة حالة الفزع مجددا وقد لا يتحملها هذه المرة، ولا يمكنني الوصول لأي معلومات إضافية من الجريدة نفسها التي نشرت خبر الوفاة، فاسمي معروف جيدا هناك لأني من منافسيهم.

أنهيت عملي في الجريدة وعدت إلى المنزل لالتقاط أنفاسي، هذا العمل مرهق للغاية، يكاد يفنى المرء حرفيا أثناء تأدية مهامه، ولكني لا أستطيع أن أفكر لحظات في حياتي بعيدا عن هذا الفناء التدريجي برغم ألمه، صدق زميلي فهمي عندما نعتني بدودة العمل وصفا منه على استعدادي للتضحية بكل شيء من أجل استمرار العمل!

يسألني الناس كثيرا لمَ لم أتزوج حتى الآن، وأكاد أجزم أني لا أجد الوقت الكافي حتى للتفكير في الإجابة عن السؤال!

انقطع حبل أفكاري المهلهل برنة الهاتف، هذا المزعج الدائم.

اتصال غير متوقع

هه رقم لا أعرفه، هممت بالتجاهل ولكن غيرت رأيي في أخر ثوان مجيبا: “مرحبا؟”

المتصل بأنفاس ثقيلة وصوت شاحب ضعيف: “مرحبا أيها الصحفي، إن لم تمانع فأنا أريد رؤيتك، أرجوك ساعدني كما وعدتني”

أنا بشغف: “هل يمكنك توضيح هويتك، بالطبع سأساعدك ولكن من أنت؟”

المتصل: “أنا العجوز، هل تتذكرني؟”،

مهلا مهلا.. لا يمكن أن يكون هو، كيف حدث ذلك؟ ثم تذكرت سريعا أني تركت له رقم هاتفي في اللقاء الأول بيننا، يا للهول! أخيرا.

استكملت مسرعا: “العجوز ذو الوجه الفريد، بالطبع أتذكرك سيدي، سأكون في الدار غدا صباحا”.

أغلقت الهاتف وكلي ذهول، هذا العجوز لم يتفوه بكلمة واحدة على حد قولهم منذ أن أحضره الشاب الثلاثيني إلى الدار، إذا هو فاقد النطق صدمة وليس مرضا، وهذا الأمر متعلق بخبر وفاته في الجريدة وصورته المنمقة.

أعترف أني لم أستطع النوم تلك الليلة!

زوال الغموض

ذهبت مسرعا في الصباح إلى الدار، كان جالسا في الحديقة في نفس المكان الذي التقينا فيه أولا، هممت لاسلم عليه وأرى وجهه.

اختفت معالم الدهشة والذهول وخيم الحزن على جميع ملامحه خصوصا العينين اللتين تحكيان الكثير من الألم والمعاناة والحسرة والندم.

بدأ يحكي عن قصته، هو أرمل ماتت زوجته التي عاش معها قصة حب عميقة أثناء ولادتها للطفل الثاني، ثم تزوج من أخرى أنجبت له ابنا واحدا، وهو فعلا رجل الأعمال المهم الذي أعلنوا وفاته في الجريدة، والذي أحضره إلى الدار هو ابنه الأكبر!

هذا الرجل أفنى حياته في شركة البترول لتأسيسها ورفعتها، كان شديد الإخلاص للعمل، زوجته الأولى ماتت بعد أربع سنوات من زواجهما وعانى كثيرا لفراقها، أنجب منها ولدين، الأول محام مقيم في القاهرة والثاني مات مع الأم أثناء الولادة. ثم تزوج أخرى وخانته لسعيها وراء المزيد من السلطة والمال مع شريكه في الشركة، وأنجب منها ابنا، مسافر حاليا للدراسة بالخارج.

هذا الرجل خسر كل ما يملك من مال، خانه صديقه مع زوجته ليهيمن على الشركة والنفوذ والأموال، ثم جاءت الطعنة الكبرى الأخيرة بأن الابن الأكبر خطط للتخلص منه نهائيا بعدما أصابه الشلل جراء ما يحدث، فلا طاقة له بتحمل أبيه العجوز العاجز! فادعى أنه أصيب بشلل إثر حادث سيارة وأنه لا يعرفه وأحضره إلى هنا، وبلّغ الزوجة الخائنة بوفاته وكأن شيئا لم يكن، فانتهزوا الفرصة طبعا في الشركة وأعلنوا وفاته لتبرير اختفائه المفاجئ العجيب.

لا أتخيل كيف تبدل الحال من رجل يملك الدنيا بكل أبوابها إلى عجوز نادم متحسر على كرسي متحرك بدار مسنين لا يملك حتى قوت يومه! ملامح الندم والحسرة على وجهه مفزعة وهو يقول: “أفنيت عمري كله في اللاشيء، فجأة كل شيء انهار”. من يشاهد وجهي الآن سيجد أنه عبارة عن كتلة من الدهشة والذهول، من هول ما أسمع. وعدته بالمساعدة وكشف ألاعيبهم إن استطعت، وانصرفت.

القضية الأولى من نوعها

إنها القضية الأولى من نوعها التي أتناول التحري عنها والكتابة فيها والتي تمس شيئا ما بداخلي، لعلها تكون الخطوة الأولى في عملي المستمر ذات قوة وقيمة. لعلها تكون الخطوة التي تستثير عقلي للمزيد من التفكر عن الطائل من وراء كل هذا العمل، أهو فعلا يستحق فنائي لعمري أم أني بعد بضع سنوات سأتحول إلى عجوز نادم!

هل السعي وراء المنصب والترقي أمر يستحق؟ ما هو إذا العمل المستحق؟ فلا يمكن أن يكون البديل هو الإعراض عن العمل! أهو أفضل أن يبقى الفرد دون زواج أم يصنع أفرادا لربما يكونون أفضل بسعيه لصلاحهم؟ ما هي قيمة الفرد إذا عندما يخسر أمواله ويضيع سعيه الخاطئ؟

ياللهول، هذا العجوز ترك داخلي إنذارا جعلني أتوقف لأعيد النظر في حياتي كلها.

تمت.

اقرأ أيضا:

العجوز صاحب الوجه الفريد

العجوز صاحب الوجه الفريد – الجزء الثاني

كيف سيطر المال على عقول البعض

الوسوم
اظهر المزيد

هبة علي

محاضر بمركز بالعقل نبدأ وباحثة في علوم المنطق والفلسفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق