اقتراحات الموقعقضايا شبابية - مقالاتمقالات

الصداقة في الفِكر الصيني

الصداقة من أنبل الصفات التي يمكن أن يتحلى بها المرء، ففيها الصدق والوفاء وصيانة الشرف والحفاظ على العهد والأخوة المخلصة. والصداقة في الفكر الصيني شيء نفيس لها قيمة عالية، وما ذاك إلا لأنهم أمة ذات أخلاق وقيم كما جاء ونقلوا عن أسلافهم القدماء من مواقف وحكايات وأمثال.

يقول المثل الصيني: “الأصدقاء الثلاثة في الشتاء القارس”، ويعني هذا المثل أشجار الصنوبر الأخضر، والخيزران الأخضر، وزهور ميهوا، لقد شبههم الصينيون بالتكاتف والتعاضد والصدق فتجمع بينهم الحيوية والخضرة والنشاط والحب وتحديد الهدف والتقارب في التفكير الإيجابي النافع.

إن اختيار الصينيين لهذه الأشجار لم يأتِ من فراغ؛ أشجار الصنوبر مورقة ودائمة الخضرة وهي رمز لطول العمر، والخيزران كذلك يظل صامدا ثابتا أمام الرياح ويوحي بالتواضع، وأما أزهار الميهوا فهي رمز للبركة ولها رائحة طيبة، فضلا عن استخدام الصينيين لهذه الأشجار في رسومهم المختلفة.

وهذه المعاني وغيرها هي التي أشار إليها الحكيم كونفوشيوس عندما مدح وزيرا فقال: “كان (يين بينغ جونغ) يُحسن عِشرة أصدقائه، فإنه يحترمهم ولو تطاولت على مصادقتهم المدة”. نحن نحتاج إلى مثل هذه القيم والعادات الفاضلة التي ابتعدنا عنها بل وحدثت فجوة بيننا وبينها حتى أصبحت غريبة، وعندما نختار الصديق ينبغي التركيز بشدة والاختيار بعناية كبيرة؛ ليس الأصدقاء على شاكلة واحدة ولا طراز واحد ولا مزاج واحد ولا عادات وتقاليد واحدة.

إن الصداقة بين الأحرار كالماء، وبين الخبثاء كالخمر، فالصداقة صافية نقية بين الأحرار، فصاحب الأخلاق الطيبة يستبشر بالماء الجاري، وأما الخبيث فصداقته ملوثة مشوهة، وتُشبه السُّكْر في لذتها وحلاوتها لأنها صداقة مصالح تأخذ وقتها وتنتهي.

الصداقة النافعة والصداقة الضارة

ويوضح كونفوشيوس ذلك بقوله:”الصداقة النافعة ثلاثة، والصداقة الضارة ثلاثة، صداقة الصريح وصداقة الوفي وصداقة واسع الاطلاع نافعة، وصداقة المنظريّ وصداقة المُداهن وصداقة قوي العارضة ضارة”. فهناك ثلاثة أنواع من الأصدقاء يمكنهم مساعدتنا هم: الأصدقاء المستقيمون، والمستقيمون هنا تعني الصريحين والمنصفين، والأصدقاء المخلصون الموثوق بهم، فهؤلاء الأصدقاء شفافون مباشرون في تعاملاتهم مع الآخرين، والأصدقاء المتعلمون أو المثقفون أو حسنو الاطلاع يمتلكون معرفة واسعة حول الكثير من الأشياء وقد رأوا وجربوا الكثير.

الصديق الحق صريح لا يغشك ولا يخدعك، بل يُبَصّرك ويُظهر لك عيوبك ومساوئك لأن أخاك هو الذي يصدقك في النصيحة، وصداقة الوفي بكلامه وأفعاله وعهوده ومواثيقه، والصاحب عندما يكون واسع الاطلاع فإنه يفيدك أو على الأقل فإنه يقوم بإكمال الناقص عندك لأنه إنسان مُثقف واعٍ وعقله كبير يستوعب الأمور والأحداث والقضايا والمهام.

وأما الصنف الثاني من الأصدقاء _وهو الصديق الذي يضر صاحبه بل ويلوثه_ وهم ثلاثة، فالأول المتفلسف الذي يقلب الأمور ولا يظهر الحقائق، الذي يحب كثرة الكلام غير المفيد، والثاني المداهن الذي يتصنع ويتكلف ويمكر ويغش ويخادع ويتملق ويُجامل، وأما النوع الثالث هو صداقة قوي العارضة، وهو الشخص ذو الجَلَد، وصاحب القدرة على الكلام المُنسّق المُنمّق الفصيح البليغ لكن في غير موضعه، ولو أنه استغل هذه الفصاحة وهذا البيان لتبصير الناس وإرشادهم وتوضيح الحقائق لكان خيرا له، يقول الشافعي:

سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَا..  صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَا

الأصدقاء القدامى

وتتقابل الثقافة العربية مع الصينية في الكثير من المجالات والعلوم والأفكار حتى في الأمثال، فمثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فالمسك نوع من الطّيب، والكير جهاز يستخدمه الحدّاد للنفخ لإشعال النار، ونجد في المثل الصيني: “من يدخل دكان الحداد ينلْ الشرر، ومن يدخل دكان العطار ينل العِطر”.

والأصدقاء القدامى لهم مكانة كبيرة في الثقافة الصينية فنرى الحكيم كونفوشيوس يقول: “يصبح الاحترام من غير الأدب متعِبا، والحذر من غير الأدب جُبنا، والشجاعة من غير الأدب عصيانا، والصراحة من غير الأدب خشونة، إن اهتم أهل الطبقات العالية بوصل أرحامهم نهضت عامة الرعية للمروءة، وإن لم ينسوا قدماء أصدقائهم سلمت عامة الرعية من الجفوة”.

الأصدقاء القدامى في شَرْخ الشباب -أوله- وفي بداية، فدائمًا الصديق القديم يفهمك أكثر ويراعي مشاعرك وأحاسيسك ويعرفك جيدا، فتشعر أن صداقته خالصة يحبك دون منفعة، صداقة بريئة دون اتهام، صافية دون تكدير، طاهرة دون خبث.

والصدق مع الصديق يُشعرك بالأمان وعدم الخوف والقلق، بل يجعلك تلجأ إليه عند الكروب وفي أشد حالات التعب والحاجة إليه دون عَناء أو ارتياب، يدفعك للذهاب إليه أو رفع الهاتف تلقائيا وتتصل به ليقابلك في مكان ما، أو يساعدك في موضوع ما، أو تأخذ رأيه في مسألة ما المهم أنك تتواصل معه.

اقرأ أيضاً:

من هو الصديق ؟

الصديق وثالث المستحيلات ليس بمستحيل !

علاقات متوازنة

اظهر المزيد

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر

مقالات ذات صلة