فن وأدب - مقالاتمقالات

الرجل المُسالم – من قلب المعاناة والأسى

في الستينيّات من عمره؛ ينعته أقاربه بالرجل المُسالم الذي لا دور له أحيانا، يطلقون عليه مُسمى السلبية أو المُسالم نظرا لتجنبه بعض الأحداث في محيط العائلة، هو من الأقارب ولكن لبعد المسافات وعدم الالتقاء بين الحين والحين، كان لا يوجد حيز للتفاعل والتخاطب سويا، فالتصق لدى ذهني ذلك الوصم الذي أطلقه عليه مِن يقربوه.

في لقاء يجمعنا وبين مواضيع تنفتح هنا وهناك؛ تبادلنا الأحاديث حول نشأته وأسرته ومكابدته التي انفطر القلب عليها، فبعد سماع خطابه صغرت أمامي نفسي وضاقت علي أذرعي.

فلماذا نحكم- نحن البشر- على أشخاص لما سمعناه من أقوال الغير؛ مجرد أقوال لا دليل عليها سوى ظنون وتهكمات البعض وأخذ بتفسيرات تليق مع أهوائنا، لما نحن -بني البشر- هكذا بارعون في الحكم على غيرنا ومتميزون في جعلهم ضعفاء جبناء بلا شخصية؟! … وغيره من الصفات السيئة التي لو سمعنا أحدهم يوصمنا بها لانفعلنا وصحنا بل وتهجمنا عليه بألفاظ تُفحمه بما هو أسوأ من ذلك.

رجل مكابد وأُناس بلا رحمة

بدأت حكايته بانفصال أمه عن أبيه في سن صغير ومع سوء أحوال والده المادية؛ لم يستطع التكفل به وأيضا زوج أمه رغم لطفه؛ إلا أنه عندما رُزق بأطفال ومع ضيق الحال؛ بات اللطف يختفي لتذمر في بعض الأحيان ولنبل الرجل “الطفل وقتها” شعر بثقله؛ ففضل أن يذهب لجدته.

 ولسوء الحال؛ بل لسوء نفوس البشر عَامله أخوة أمه بمعاملة ليست برحيمة فبين فينة وأخرى وقسوة لفظية وجسدية أحيانا؛ كان عليه أن يغادر بيت جدته أيضا، فضاقت عليه الدنيا ولكن رحمة الله باقية فبالرغم من كل هذه المعاناة لم يتأفف ولم يتذمر بات يبحث عن مأوى آخر.

فذهب لأبيه مرة أخرى وقضى معه فترة ليست بكبيرة فكان قد انشغل بعمله البسيط وقتها الذي يستطيع أن ينفق به على ذاته؛ ثم رأى زوجته ورضيت بما لديه من حال، وكأن الرحمة لا تغادره فبعد معاناة ومساعدات من زوج أمه، تزوج ثم رُزق ببنات ثم رزق بأموال تكفيه وعاش حياته بين معاناة وفرج وبين حمد ورضا لما يناله من الحياة.

من نحن لنظن بالآخر سوء؟!

المحزن والمؤسف هو ما تم إطلاقه عليه كلفظ المُسالم في كبره ونسيان ما مرّ به، فربما مُسالمته ما هي إلا تعب ووهن لما مرّ به في رحلته، وربما ضعفه الآن ما هو إلا تراخي جاء بعد لحظات ثِقال مرت عليه وهو وحيد شاب ذاق قسوة البشر، ربما تجنبه لبعض الأحداث ما هو إلا مشاركة ولكن وفق قدراته وربما الكثير؛ الذي لو أمعنَّا التفكير للحظة قبل أن نظن لأوجدنا العديد من الأعذار.

فلماذا نحكم على بعضنا البعض؟! أليس فينا من العبر ما يكفي لننشغل بإصلاحها، أليس الأولى أن نلتفت لذواتنا ومحاولة مساعدة من يقربنا ودعمهم ومشاركتهم قبل أن تلهينا نفوسنا وتغمرنا نوايانا الدنيئة وتبعدنا عن المفهوم الإنساني الرحيم، فلماذا تآكلت نوايانا هكذا؟

إذن؛ متى نتدخل؟

فلنحذر بما يخطر حتى على بالنا؛ فإن من أشد الموبقات هو أن نظن بأنفسنا السلامة ونتشدق بالأحاديث والمسميات على الآخرين؛ فيهلكنا غرورنا وتنهار معها علاقاتنا بغيرنا بمن يستحقون أن ننحني لهم بكل احترام وتقدير.

وحتى لا يُسيء أحدهم الفهم بحديثنا السابق؛ نحن لا نبرر أو نبدي إعجابنا بصفة السلبية، ولا نلغي إرادة الفرد في تعامله مع ما يمر به من ظروف بيئية، حتمًا ولا مجال للشك أننا نعنِي السلبية بحديثنا، وأن لا يكون لك دور في محيطك شيء ليس بجيد مطلقا؛ فحينما وجُدت لا محال هنالك دور ينتظرك ومهام أنت مُكلف بها.

ولكن؛ فلننتبه أن مجال تدخلنا في الحكم هو على الأفعال وليس الأشخاص بمعنى أننا لنا فقط لا نميل ولا نمدح السلوكيات القبيحة كالتي ينطبق عليها كلامنا كاللامبالاة وعدم الإقدام وغيره، ولكن ليس من حقنا مطلقا أن نحكم على أفراد مثلنا مثلهم تماما لا ندري ما مروا به ولسنا محيطين برحلتهم القاسية. فلنرحم بعضنا البعض ولنُعين غيرنا حينما تلتقي طرقنا بطرقهم حتى نتمكن من السير بسلام

اقرأ أيضا:

هل الظن وحده يكفي؟

الإنسان والحكم الظنى

 السلوك الذي يعبر عن شخصية صاحبه

الوسوم
اظهر المزيد

خلود أشرف

طالبة بكلية العلوم جامعة القاهرة

باحثة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق