مقالات

التعايش والكورونا

وما زال العلماء حول العالم يبحثون عن لقاح فعال وعلاج ناجع يواجهون به فيروس كورونا المستجد، وهو أمر لا نعلم له مدى أيطول أم يقصر؟ وهو ما يضعنا جميعا أمام خيار قاس وتحد صعب ألا وهو ضرورة التعايش مع هذا العدو الخفي الضار لفترة من الوقت. والتعايش خيار قاس بل ومر، لأنه لا يعني فقط الالتزام بارتداء الكمامات الطبية أو غسل الأيدي، بل هو أوسع من ذلك بكثير وفيه من التغيرات السلوكية والنفسية ما قد يقيد حرية البعض من جهة، أو يتصادم مع ما تعودناه من عادات وتقاليد من جهة اخرى، لكنه يبقى في النهاية خيارنا الوحيد والحتمي إذا ما أردنا أن نمارس حياتنا بشكل شبه طبيعي دون الإصابة بالعدوى أو المساهمة في نشرها.

وإليك عزيزي القارئ مجموعة من الوسائل قسمتها إلى محاور ومجموعات ثلاث يمكننا من خلالها أن نحقق تعايشا ناجحا وفعالا في ظل هذه الجائحة العالمية:

* المحور الأول: الالتزام ببعض التغيرات السلوكية:

سلوكيات يجب تجنبها:

فهناك عدد كبير من العادات السلوكية التي اعتدنا على ممارستها بشكل تلقائي والتي من الممكن أن تكون سببا رئيسيا في نشر العدوى ونقلها بين أفراد المجتمع، ولابد أن نحرص جميعا على تجنبها أو التغيير منها.

ومن الأمثلة على تلك السلوكيات والعادات:

١- عادة التقبيل والاحتضان المتكرر مع السلام والتحية، وهي عادة قد تتسبب بشكل كبير في الانتقال السريع للعدوى من فرد إلى آخر.

٢- عادة التزاحم في المناسبات كالأفراح وواجبات العزاء وغيرها، وهو ما يمكن أن يسهل التقاط العدوى من الشخص المصاب إذا ما سعل أو عطس، وهي عادة يمكن التقليل منها وتلافيها بتقديم التهنئة أو التعازي عن طريق الهاتف أو غيرها من الوسائل التكنولوجية الحديثة.

٣- عادة لمس الأسطح والجدران أثناء السير في الطرقات أو الأسواق أو غيرها كالمحال التجارية، فقد تكون هذه الأسطح ملوثة بالفيروس، ومن ثم يمكن الإصابة بالعدوى في حال تقريب الأيدي من الأنف أو الفم أو العينين.

٤- عادة استعمال الأدوات المشتركة مثل زجاجات الماء أو أكواب الشاي أو فناجين القهوة خاصة بين زملاء العمل الواحد.

٥- الزيارات المنزلية المتكررة.

٦- الخروج من المنزل لغير الضرورات.

٧- العطس أو السعال دون استعمال مناديل.

٨- التهاون في اتباع الإجراءات الوقائية، كاستعمال الكمامة الطبية، أو غسل اليدين بالماء والصابون أو الكحول، أو مسح الأسطح بالكلور، أو غسل الملابس بصورة مستقلة وجيدة، أو الاهتمام بكي الملابس بشكل جيد وفعال.

٩- الإقلاع عن التدخين لما له من أضرار كثيرة.

سلوكيات يجب الالتزام بها:

هذه بعض أمثلة من العادات السلوكية الخاطئة التي يجب الإقلاع عنها، لكن في المقابل أيضا نجد عددا آخر من السلوكيات التي يجدر بنا أن نحرص على الالتزام بها والحفاظ عليها ومن الأمثلة على ذلك:

١- التغذية الجيدة، والتركيز على تناول الخضروات والفاكهة وعصائر الليمون والبرتقال وعسل النحل وغيره من المواد الغذائية المفيدة لتقوية جهاز المناعة.

٢- أخذ قسط كاف من النوم بشكل يومي (٨ ساعات يوميا).

٣- توفير وسائل التطهير وغسل الأيدي في المؤسسات والمحال التجارية والمطاعم وغيرها.

* المحور الثاني: التغييرات النفسية:

– إن عددا من التغييرات السلوكية يستلزم بالتبعية عددا من التغييرات النفسية اللازمة لاحتواء ما قد يتولد في نفوس بعض الأفراد من ضيق أو ضجر تجاه بعض السلوكيات التي قد تتعارض مع ما اعتادوه من أعراف وما نشأوا عليه من تقاليد، فمثلا ذلك الصديق الذي يمد يده ليصافح صديقه لكنه يفاجأ بإحجام صديقه عن تلك المصافحة خوفا من انتقال العدوى أو الإصابة بالمرض، مثل هذا التصرف وغيره قد يترك في نفوس البعض أثرا سلبيا، لكننا في هذه المرحلة لابد وأن نقابل مثل هذه السلوكيات بقدر من التفهم والاحتواء النفسي وأن نلتمس الأعذار لأصحابها.

وقس على ذلك أيضا اعتذار البعض عن تلبية الدعوات إلى الزيارات المنزلية، أو حضور بعض المناسبات كالأفراح وواجبات العزاء أو رفض بعض الزملاء إقراض البعض الآخر أدواتهم الشخصية للاستعمال.

– ومن الأمور النفسية التي يجب أن نحاول التغلب عليها في هذه المرحلة ونعمل على التخلص منها هي فكرة الهلع أو الخوف غير المبرر والمبالغ فيه من الإصابة بالمرض، فإن هذا الأمر من شأنه أن يعكر صفو الحياة وينغص على البعض معيشتهم، لأنهم يترجمون كل عرض على أنه إصابة بالمرض ويربطون دائما بين حتمية الموت والعدوى، وهو ما لا يمت للواقع بصلة، فكم من مصاب لم تظهر عليه أعراض، وكم من مريض كانت أعراضه طفيفة، وكم من شخص قد تعافى فأصبح من بعد مرضه آمنا في سربه معافا بين أهله وأحبابه.

– ومن الأمور النفسية الواجب تغييرها أيضا في هذه المرحلة هي تلك النظرة الخاطئة لمريض الكورونا على أنه شخص منبوذ، وللإصابة بالمرض على أنها وصمة عار أو سبة، وهذا أمر جد خطير، فإن من شأن هذه المشاعر السلبية أن تؤدي إلى العزلة وخلق التفكك بين أفراد المجتمع ونشر الكدر والكراهية فيه.

* المحور الثالث: الثقافي والتوعوي:

وهو ما نختم به هذا المقال، والتوعية في هذه المرحلة يجب أن لا تقتصر على المؤسسات والحكومات بل يجب أن تمتد لكل فرد من أفراد المجتمع، وأخص بالذكر هنا رجال الدين وما يجب أن يقوموا به من دور فعال وهام في توعية العامة وإيضاح ذلك الفرق بين التوكل والتواكل، فإن عدم الأخذ بأسباب الوقاية وعدم الالتزام بإجراءات منع انتقال العدوى بحجة أن كل شيء بأمر الله و أنه لن يصيبنا إلا ما قدر الله، لهو شيء يرفضه الدين نفسه و يذم أصحابه، فالدين يأمرنا بأن نعقلها ثم نتوكل وأن نأخذ بالأسباب قبل تفويض الأمور للخالق.

وفي النهاية نسأل الله تعالى للجميع السلامة والعافية، وأن يرفع البلاء والوباء، ويشفي كل سقيم وعليل.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

كورونا ومحو الأمية العلمية

الآثار النفسية لكورونا

فيروس كورونا الجديد، الخطر بين الحقيقة والوهم

الوسوم
اظهر المزيد

د. عمرو أبو الحسن

مدرس مساعد أمراض الصدر – كلية الطب جامعة أسوان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق