مقالات

التربية البيئية كوسيلة لتحقيق التنمية المستدامة

تمهيد:

تعد حماية البيئة مطلبا ضروريا لاستمرار الحياة الإنسانية، باعتبار أن الإنسان هو السبب الرئيسي في ما يحدث للبيئة، وحمايتها باتت تقتضي اكتسابه السلوكيات الصحيحة للتعامل معها، وجعله من المدافعين عنها وذلك من خلال تعريفه بالبيئة وعناصرها وأهميتها وتحذيره من مخاطر تدهور وضعها، فالإنسان -والمجتمع بشكل عام- عليه مسؤوليات كبيرة في حماية البيئة ومواردها ليستفيد الجميع منها.

والمحافظة على البيئة واستثمارها الاستثمار الأمثل وتقليل هدر مواردها هو دعامة مهمة في التعايش معها والاستفادة منها، وأصبحت قضية البيئة وحمايتها والمحافظة عليها في هذا العصر واحدة من أهم القضايا، وأحد التحديات التي تواجهها بلدان العالم، خاصة في التخطيط للتنمية الشاملة مع محاولة تجنب المشاكل البيئية المعقدة، أو إيجاد حلول لها قبل أن تقضي تراكماتها على إمكان العلاج الناجح، ولم تعد اعتبارات التنمية رغم أهميتها البالغة عذرا لتجاهل المحافظة على البيئة أو اتخاذ التدابير الفاعلة لمكافحة الأخطار المحدقة بها.

ظهور مفهوم التربية البيئية

ولقد ظهر مفهوم التربية البيئية في أواسط القرن الماضي، ذلك بسبب الحاجة الماسة لمواجهة ثلاث مشكلات متداخلة هي (المشكلات البيئية) و(المشكلات الناشئة عن العلاقة بين البشر والبيئة الاجتماعية) و(المشكلات التربوية الناشئة عن استخدام المؤسسات التربوية ممارسات تقليدية لتعليم الموضوعات المتعلقة بالبيئة)، وقد ركزت التربية البيئية على إعداد مواطن يتصف بالمسؤولية والمشاركة النشطة ويمتلك المعرفة والقدرة على إحداث تغيرات بيئية وتربوية واجتماعية مناسبة للطلاب،

وتهدف التربية البيئية إلى توفير الفرص للطلاب ليتمكنوا من تكوين مفاهيمهم الخاصة بهم من خلال الاستقصاءات العملية والعقلية، فالمتعلمون ينشغلون بخبرات مباشرة، ويواجهون تحديات لاستخدام مهارات التفكير العليا، كما تشجع التربية البيئية كذلك على تنمية بيئة تعليمية نشطة يتبادل فيها المتعلمون الأفكار والخبرات التي تشجع على الاستقصاء المستمر، كما توفر أجواء تعليمية وقضايا واقعية يمكن من خلالها تعلم المفاهيم والمهارات ذات الصلة بقضايا البيئة. وفيما يلي سوف نتناول مفهوم التربية البيئية وخصائصها وأهدافها:

أولا: مفهوم التربية البيئية:

يقصد بالتربية البيئية تلك الجهود التي تقوم بها الهيئات والمؤسسات الرسمية (النظامية) و(غير النظامية) في سبيل توفير الوعي البيئي لكافة المواطنين بمختلف أعمارهم، بحيث يكون هذا الوعي البيئي إسهاما مباشرا في توجيـه سـلوكهم نحو المحافظة على البيئة ومصادرها، وهذه المؤسسات تشمل المدارس وأجهزة الإعلام المسموعة والمرئية ودور العبادة والجمعيات الأهلية والنوادي والأسرة وغيرهـا مـن مؤسسات المجتمع.

وتعرف كذلك بأنها تعلم كيفية إدارة وتحسين العلاقات بين الإنـسان والبيئـة بشمولية وتعزيز.

كما تتحدد خصائص وسمات التربية البيئية فيما يلي:

  1. تهدف التربية البيئية إلى تكوين المهارات والاتجاهات بناء على نوعية المفـاهيم التي يتعرض لها المنهج التعليمي، والمفاهيم البيئية لا تشتق أو تحدد إلا بناء على معايير علمية نفسية وذهنية وبترتيب معين يسهل على الطالب تعلمها واستيعابها، وعادة تدخل المفاهيم البيئية مع المفاهيم الأخرى لميـادين المعرفـة مـن علـوم واجتماعيات ودين وفنون وغيرها في مرحلة التعليم العام، بينما تضع الجامعـات مقررات خاصة بالتربية البيئية لطلابها تشمل اندماج الميادين المعرفية الأخرى مع البيئية في كيان خاص هو التربية البيئية.
  2. يؤكد الباحثون في التربية البيئية أن دراسة التربية البيئية تؤدي إلى تنفيذ أهداف حماية البيئة وإلى وقاية الإنسان من المخاطر، فالتربية البيئية ليست فرعا منعزلا من العلوم، أو لها كيان خاص كمادة دراسية، وإنما هي مجموعة مـن المعـارف المتداخلة التي تهدف إلى تحسين جودة الحياة، وصلتها وثيقة بفكرة التعليم مـدى الحياة.
  3. يساهم تدريس التربية البيئية في تطوير القدرات على التفكير واسـتقراء الواقـع وإيجاد الحلول المستقبلية المعقدة للبيئة ليس فقط في مجال توثيق العلاقـة بـين الإنسان ومحيطه الحيوي وإنما أيضا المشاركة الفاعلة فـي التنميـة الاقتـصادية والاجتماعية والسياسية.
  4. تتزايد اهتمامات المجتمعات بالتربية البيئية خاصة عنايـة المخططـين البيئيـين وواضعي استراتيجيات التنمية بجعل التربية البيئية محور الخطط الإنمائية للدولة، فالتخطيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لا يوضع بمعزل عن التربية البيئية، بل إن التخطيط التربوي نفسه يضع التربية البيئية في جـل عنايتـه، خاصـة فـي المجتمعات التي تكثر من البيئات المشيدة، أي البيئات التي من صنع الإنسان والتي تعتبرها إنجازا حضاريا لا يتحقق إلا في ظل المحافظة على البيئة الطبيعية.
  5. تتميز التربية البيئية بأسلوب نظامي يعكس خططها وآلياتهـا المعروفـة. فهنـاك الفلسفة والسياسات والأهداف والاستراتيجيات والأساليب التي تعين علـى وضـع الخطة وكيفية تنفيذها وتقويمها.
  6. كما أن للتربية البيئية الأدوات التي تمكنها من ملاحظة وقياس مدى التقويم في تحصيل الطالب الدراسي وتكوين المهارات والاتجاهات لديه، ولقد وجد في العديد من الدراسات السابقة أن تدريس المفاهيم البيئية في مناهج التعليم المختلفة يرفع من مستوى التحصيل ويزيد من المهارات ويعزز القيم والاتجاهات مقارنة بتدريس المعارف البعيدة عن المفاهيم البيئية.
  7. تهتم التربية البيئية بكل الأفراد وليس فقط بفئة معينة من المجتمع أو من الأعمار والمستويات الاقتصادية وغيرها، فالاهتمام ينصب عادة عند تدريس التربية البيئية على التداخل الديناميكي بين الإنسان والطبيعة، ودراسة هذا التداخل والعوامل السلبية والإيجابية الناجمة عن هذه العلاقة، بهدف رفع مستوى معيـشة الإنـسان والمحافظة على إنجازاته وتراثه وثقافته، إضافة إلى حماية صحته العامـة وذلـك بمعالجة الأسباب كالتلوث والضجيج والغازات السامة والنفايات الخطرة والمجاعة واستنفاد الأوزون والاحترار العالمي.

كما أن للتربية البيئية مجموعة من الخصائص هي:

  • تعتمد التربية البيئية على استخدام الأساليب التطبيقية أكثر من اعتمادها على الأسـاليب النظريـة، فهي تعطي للتلاميذ الفرص لبناء تفكيرهم من خلال استخدام أيديهم وعقـولهم ومـشاركتهم فـي التجارب المباشرة، وتشجع التعلم الفعال عن طريق تبادل الأفكار والخبرات .
  • تتسم التربية البيئية بتركيزها على حل المشكلات، أي تطبيق المعرفة العلمية في شـؤون الحيـاة العملية ومشاكلها، وحتى يتم فهم المشكلات لا بد أن يكون المتعلم على بينة من العلاقات المتداخلة بين مختلف الظواهر الطبيعية والبشرية، وأن تدمج العلوم المختلفة السياسية والثقافية والاقتصادية لإعطاء نظرة شمولية للواقع، أي تعدد فروع المعرفة في دراسة المشكلات البيئية.
  • تتميز التربية البيئية بالاستمرارية، فهي عملية مستمرة تحرص دائما على إعادة صياغة أهـدافها وأساليبها بحيث تتلاءم مع التغيرات الحديثة وهي بهذه الصفة تندرج في إطار التربية المستديمة.
  • تساعد التربية البيئية الطلبة على تعلم كيف يتعلمون، فيكون التعلم فيها مبني على أربعة أركان (نتعلم لنعلم، نتعلم لنعمل، نتعلم لنحيا معا، ونتعلم لنكون).

ثانيا: أهداف التربية البيئية لدى التلاميذ:  

يصعب الاتفاق حول أهداف التربية البيئية وذلك بسبب ارتباطهـا بالـسياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأيكولوجية لكل مجتمع، ولكن على وجـه العمـوم يذكر المختصون الأهداف العامة التالية للتربية البيئيـة:

  1. مساعدة التلاميذ على فهم الطبيعة المعقدة والمتداخلة للبيئة بسبب التفاعـل بـين جوانبها البيولوجية والفيزيائية والاجتماعية والاقتصادية.
  2. تزويد التلاميذ بالمهارات والوسائل والطرق اللازمة لتفـسير علاقـة التكامل التي تربط بين مختلف عناصر البيئة في الزمان والمكان.
  3. الإسهام في خلق الوعي بأهمية المحافظة على البيئة لدى التلاميذ من أجل دعم جهود التنميـة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على جميع المستويات.
  4. إعداد التلاميذ وتأهيلهم للمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحفاظ على نوعيـة الحياة والبيئة الطبيعية ومراقبة تنفيذ هذه القرارات.
  5. نشر المعلومات والأفكار والاتجاهات اللازمة لتبني أساليب وطرق في الحيـاة لا يترتب عليها أية آثار ضارة بالبيئة.

كما أن للتربية البيئية عدة أهداف أخرى تحققها لدى التلاميذ هي:

  • تنمية الوعي البيئي لدى التلاميذ: إن إيجاد الوعي البيئي عند التلاميذ له أهمية كبرى في مساهمتهم كأفراد في المجتمع للتصدي لكل ما يحدث للبيئة من أخطار، فالوعي بمصادر الأخطار التي تتعرض لها البيئة وإلمام الناس بواجباتهم وأدوارهم يساندان الدور التربوي في إعداد البرامج البيئية وحسن تطبيقها، وإشراك التلاميذ في النشاطات البيئية خارج المدرسة مع الكبار التي تحافظ على البيئة، وتقدير قيمة التوافق بين عناصر النظام البيئي والعلاقات فيما بينها، وإدراك المشكلات البيئية وطرق معالجتها للحد منها وضبطها في المستقبل.
  • المعرفة: مساعدة التلاميذ والأفراد والمجتمعات البشرية على اكتساب فهم أساسي للبيئة، ونوعية المشاكل التي تواجهها، والعلاقة بين مكوناتها، وتنمية الإحساس بالمسؤولية لحماية البيئة.
  • المهارات: مساعدة التلاميذ والفئات الاجتماعية على اكتساب المهارات المناسبة التي تساعد على معالجة المشكلات البيئية والتفاعل إيجابيا مع مكونات البيئة لتظل البيئة مستديمة ومتزنة.
  • الاتجاهات: مساعدة التلاميذ والجماعات البشرية على اكتساب مجموعة من القيم ومشاعر الاهتمام بالبيئة وتعزيز الدافعية للمشاركة الإيجابية في النشاطات البيئية لتحسين البيئة وحماية مواردها وصيانتها.
  • المشاركة: مساعدة التلاميذ والفئات الاجتماعية على المشاركة الإيجابية في حل مشكلات البيئة والمساهمة في تطويرها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، والعمل على تجنب حدوث مشاكل بيئية جديدة قدر المستطاع.

ولأهداف التربية البيئية ثلاثة أبعاد هي:

  • البعد الإدراكي: ويشمل المعلومات التي يجب أن يعرفها الإنسان عن بيئته وما تحويه من موارد وما تتعرض له من مشكلات.
  • البعد المهاري: ويشمل المهارات التي يجب أن يكتسبها الأفراد والجماعات ليتعاملوا بشكل فعال مع بيئتهم.
  • البعد الانفعالي: ويختص بالاتجاهات والاهتمامات التي يكتسبها الأفراد والجماعات لترشيد سلوكهم نحو البيئة.

ثالثا: دور المعلم في التربية البيئية‏:

للمعلم دور هام في عملية التربية البيئية كوسيلة لتحقيق التنمية المستدامة من خلال مايلي:

  • مساعدة الطلاب على التحصيل المعرفي في مجال التربية، أي تنمية السلوك المعرفي.
  • مساعدة الطلاب على اكتساب المهارات الحسية الحركية في مجال التربية البيئية، أي تنمية السلوك المهاري.
  • مساعدة الطلاب على اكتساب القيم والاتجاهات الإيجابية نحو البيئة، أي تنمية السلوك الوجداني.

إن نجاح المعلم في القيام بمهامه في التربية البيئية يتوقف على إعداده وتأهيله في هذا البعد الجديد من العملية التربوية، فالمعلم البارع هو المعلم القادر على تكييف وتوظيف المادة العلمية في مجال التربية البيئية، ومما يساعد على القيام بهذه المهمة إلمامه بأسس التربية البيئية وفلسفتها وأهدافها ومفاهيمها سواء المفاهيم الرئيسية أو المفاهيم الفرعية.‏

ومن الأهمية بمكان أن يكون المعلم مؤهلا ببعض الاختصاصات التربوية، مثل علم النفس التربوي، وعلم النفس البيئي، وعلم نفس الطفولة والمراهقة، ليكون على اطلاع بحاجات واهتمامات الطلبة والتلاميذ، وذلك بهدف تحقيق الدافعية لديهم للتعلم، حيث أن المعلم قادر على الأخذ بيد تلاميذه من أجل الوصول إلى تفسير بعض الظواهر الطبيعية البيئية وذلك للإلمام بجميع جوانب هذه الظواهر الطبيعية.

وكذلك فإن المعلم يمكن أن يساعده تلاميذه للتنبؤ بما يمكن أن ينتج عن هذه الظواهر الطبيعية من انعكاسات على الإنسان والحياة بشكل عام، وأخيرا يمكن للمعلم نفسه أن يتوصل مع تلاميذه لأساليب ضبط بعض الظواهر الطبيعية وبالتالي اتقاء انعكاساتها السلبية على الحياة والكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان.
ولما كانت المشكلات البيئية هي بالأساس مشكلات سلوكية كان لزاما على المعلم أن يسعى لضبط سلوك طلابه تجاه البيئة وفقا لما يمكن أن يحقق إعادة التوازن للنظام البيئي الطبيعي، نظرا لأن عملية ضبط السلوك ليست عملية سهلة وتحتاج لمتابعة مستمرة.

لذلك فإن التأكيد على أن التربية البيئية هي تربية مستمرة من طفل الروضة إلى الإنسان الكهل، وللمعلم دور هام في حلقات هذ التربية المستمرة، كما إن للوازع الديني أهمية كبيرة في تشكيل الاتجاهات الإيجابية نحو البيئة، ولذلك المعلم الناجح هو الذي يستطيع أن يوظف هذا الوازع من أجل التربية البيئية وضبط السلوك البشري خاصة وأنه مصدر من مصادر المعرفة وهو قدوة لتلاميذه من حياتهم الاجتماعية.‏
 

وهنا لا بد من الإشارة إلى بعض الصفات الأساسية التي تسهم في نجاح المعلم بمهمته في التربية البيئية:‏

  • لا بد من توفر الاستعداد والرغبة لدى المعلم لتدريس التربية البيئية وإيصال مفاهيمها ومبادئها لتلاميذه.
  • أن يكون إلمامه كافيا بالتربية البيئية وفلسفتها وأهدافها ومبادئها ومفاهيمها.
  • أن يكون على اطلاع بالمشكلات البيئية التي تعاني منها البيئة والأبعاد العالمية لبعض هذه المشكلات.
  • أن يكون ممن يحظون بالاحترام والتقدير وأن يكون مقبولا لدى هيئة المدرسة وطلابه والمجتمع الذي يعيش فيه.
  • أن تتوفر لديه الخبرة والبراعة لنقل التربية البيئية إلى أسر تلاميذه‏.
  • أن يكون متمرسا على إدارة الدروس العلمية الصفية في مجال التربية البيئية.
  • أن تتوفر لديه الخبرة في تخطيط الأنشطة الصفية واللاصفية في مجال التربية البيئية.

للتعرف على التفاصيل المرتبطة بالموضوع يمكن الاطلاع على ما يلي:

  • السيد سلامة الخميس، التربية وقضايا البيئة المعاصرة، دار الوفاء للطباعة، الإسكندرية، 2000.
  • رمضان عبد الحميد الطنطاوي، التربية البيئية، تربية حتمية، دار الثقافة للنشر، عمان، الأردن، 2008.
  • صوله فيروز، التربية البيئية والتنمية المستدامة، جامعة بسكرة، د.ن.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

التربية العربية والمنظومة القيمية الغائبة

دور المدرسة في نشر ثقافة المشاركة المجتمعية

“ثلاثية فساد التعليم”

اظهر المزيد

أ. اسماء الشاعر

معلم أول لغة عربية بالأزهر الشريف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى