مقالات

التاريخ كما يجب أن يكون

التاريخ علم كسائر العلوم له منهجيته وقواعده ولا يقل في الأهمية عن سائر العلوم الإنسانية من اجتماع وفلسفة ومنطق وعلم نفس واقتصاد؛ بل إن التاريخ قد يفوق هذه العلوم في الأهمية، فروَّاد هذه العلوم قد مروا بأحداث وظروف جعلتهم يظهرون حصيلتهم المعرفية والتي كان من نتاجها مثل هذه العلوم الإنسانية، وهذه الأحداث والظروف هي التاريخ ولولا التاريخ لما سمعنا عن هذه العلوم ولا عن أصحابها شئ يذكر.

ما هو علم التاريخ ؟

التاريخ هو جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما على الفرد والمجتمع، وتُدون في الوثائق والكتب التاريخية والتي تكون محل بحث المؤرخين، والتاريخ عند ابن خلدون هو “خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لهذا العمران من التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال” .

ويظهر لنا من تعريف ابن خلدون للتاريخ؛ أنه هو الحركة المادية التي نتج عنها سائر الأحداث التي أثَّرت في مجرى التاريخ الإنساني سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع وهذه الحركة المادية هي التى استعان بها الفيلسوف الألماني “كارل ماركس” في تفسير التاريخ تفسيرًا ماديًا فيما يعرف بالمادية التاريخية أو الحتمية التاريخية، وأنه بالصراع المادي بين طبقات المجتمع ينتج في النهاية الطبقة العمالية العالمية “البروليتاريا” التي يُكتب لها البقاء وتستعصي على الفناء.

منهجية المؤرخين

المؤرخ هو باحث في الأول والآخر عن الحقيقة. لا تقتصر مهمته على قراءة النص أو الوثيقة التاريخية لكي يستمتع بقراءة التاريخ أو ليمتع غيره بقراءته على مسامعه؛ بل على المؤرخ أن يُخضع النص أو الوثيقة التاريخية وكاتبها للفحص والدراسة بما يمتلكه الباحث المؤرخ نفسه من حقائق وأدلة.

قد يكون كاتب الوثيقة التاريخية أو النص التاريخي قد كتبها وفقًا لأيديولوجيته السياسية أو وفقًا لمعتقده الديني أو وفقًا لهوى في نفسه مما تضيع الحقيقة ويحل محلها الباطل المزيف من الأخبار؛ لذلك على الباحث المؤرخ في وقتنا هذا أن يُقارن الشهادات التاريخية لزمن معين بشهادات تاريخية أخرى من نفس الزمن ويتقبل ويعتمد منها ما يُوافق العقل والتفكير السليم .

والمنهجية في قراءة التاريخ لا تقتصر على المؤرخين بل على كل من يحب قراءة التاريخ من غير المؤرخين فلا يجوز أن يكون مُستقبل وفقط للمعلومات التاريخية المدونة في كتب التاريخ ويعتبرها حقائق مسلم بها؛ بل عليه أن يُخضعها للعقل ويُعمل فيها قواعد التفكير السليم،

فكثيرًا من شبابنا اليوم عندما يقرأ كتب التاريخ الديني أو السياسي تستهويه شخصياتها التاريخية وتكون قناعاته بناءا على ما يقرأ عن هذه الشخصيات من أعمال وأفعال دون أن يفكر أو يبحث فيما يقرأ “فابن كثير أو الطبري أو المسعودي أو ابن الأثير أو المقريزي” وغيرهم من المؤرخين القدامى منهم أو المحدثين لا تعطي أساميهم العصمة والقداسة فيما يكتبونه من التاريخ وإنما المصداقية تأتي من بحث القارئ وعرض ما يقرأ على عقله للفحص والتمحيص .

وهناك على سبيل المثال لا الحصر أمثلة متواضعة من الأحداث التاريخية التي كثر اللغط فيها والقيل والقال ومنها :-

أنف أبو الهول

كان من المعروف والمتداول بين المثقفين ومن لهم اهتمام بالتاريخ أنَّ من كسر أنف “أبو الهول” هم جنود الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م أثناء تدريب القصف بالمدفعية، إلا أن وثيقة تاريخية كذَّبت هذا الزعم بلوحة زيتية رسمها قائد بحري دنماركي قبل ولادة نابليون بقرون تُظهر “أبو الهول” بلا أنف .

بيينما ذكر المؤرخ المصري المقريزي أن كسر أنف “أبو الهول” كان متعمدا من شيخ متعصب يُدعى “محمد صائم الدهر” الذي لم يعجبه أنف “أبو الهول” لأن رمز العزة والشموخ عند العرب كان محله الأنف فكيف ذلك يكون لصنم؟!

لكن غالبية الروايات التاريخية تذهب إلى أن الأسباب المناخية وعوامل التعرية هي السبب وراء تحطم أنف “أبو الهول” ولكن إذا كانت الأسباب المناخية وعوامل التعرية؛ فأين هي من باقي وجه “أبو الهول” ولِمَ لم يتأثر؟!

هذه قضية تاريخية من الممكن أن ندرب عقولنا في البحث فيها. ومعرفة السبب في تناول الروايات والوثائق التاريخية التي تتكلم عن هذا الحدث ودراسته جيدا. ويكون من السهل وقتها معرفة السبب ليبطل العجب.

نظارة الملك فاروق

مما ابتلي به التاريخ أنَّ مَن يكتبه هو المنتصر. و فيما يخص الملك فاروق، فبعد ثورة يوليو كتب تاريخه الثوار، ومما أشاعوه وألمحوا إليه أن الملك كان زير نساء ونظارته السوداء كان يرتديها لإخفاء جرحا في عينه ناتج عن طلق ناري من ضابط حرسه الملكي لأن الملك عاكس زوجته، ولكن بعد البحث؛ تبين أن هذا الكلام محض هراء وهذا ما أكدته الملكة فريدة زوجته قائلة؛ أن ما يشاع عن الملك بخصوص النساء بعيد عن الصحة ومبالغ فيه بدرجة كبيرة،وكلامها هذا كان بعد طلاقها منه بوقت طويل.

فلنحذر

على كل حال؛ هذان المثالان متواضعان جدا أمام الأمثلة التي لا حصر لها من تزوير التاريخ وقلب حقائقه لزيف وباطل، وعلينا جميعا أن نقرأ التاريخ لا بنية الاستمتاع؛ وإنما بنية الوصول للحقيقة، ولما علم منا بعض المؤرخين الجدد نية الاستمتاع في سماع القصص كتبوا لنا التاريخ في يومنا هذا بدون منهجية وتقصي للحقائق؛ فقرأناه على نحو مُسلَّم به دون بحث ودراسة، وبنينا قناعاتنا على ما نتلقاه، وهي بالطبع قناعات خاطئة؛ لأننا نقرأ تاريخ خاطئ بطريقة خاطئة.

فالحذر -كل الحذر- من قراءة التاريخ على نحو خطأ!

اقرأ أيضا:

شنطة سفر

الخبر بين الادعاء والحقيقة

لحظة الحقيقة

على زين العابدين

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالمنصورة

مقالات ذات صلة