مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

“الانطباع الأول وحدوث الخطأ في التفكير”

إن ” الانطباع الأول ” هو ذلك التصور الذي يكونه الإنسان في ذهنه عن أمر ما، نتيجة تعاملاته الأولى مع الأشياء أو الأشخاص، وهذا الانطباع الأول الذي يكونه الذهن غالبا ما يكون غير صحيح، فالانطباع الأول الذي يحدث نتيجة التعامل والاحتكاك لا يكفي وحده لإصدار حكم عليه، فلابد من أجل أن يكون انطباع الإنسان انطباعا صادقا وصحيحا أن يمر بتجارب واحتكاكات متعددة تجاه كل من: الأشياء، والقضايا، والأشخاص، هذا فضلا عن ترك مساحة ووقت كاف للعقل من أجل أن يتمكن الإنسان من إصدار حكمه عليه بشكل دقيق ومحكم.

إذن هناك معياران يمكن من خلالهما تفادي الخطأ في التفكير عند التعويل على الانطباع الأول، وهما: ضرورة التجارب المتعددة، وضرورة وجود وقت كاف للتعقل.

أولا: ضرورة التجارب المتعددة

لا غراوة أن تجربة واحدة لا تكفي، واحتكاك واحد لا يكفي، وتعامل واحد لا يكفي، وقراءة واحدة لا تكفي.. إلخ، فلابد من ممارسة الإنسان لتجارب متعددة، واحتكاكات مختلفة، وقراءات متنوعة، وسنعول على هذا المبدأ خلال تجربتين أولهما، في الحياة الاجتماعية والثانية في الحياة الأكاديمية.

الحياة الاجتماعية

فبالنسبة لتطبيق هذا المبدأ – ضرورة التجارب المتعددة – على الحياة الاجتماعية، فنعتقد أنه عند الحكم على صفات إنسان ما من خلال التعامل معه في موقف واحد لهو أمر خاطئ، لأنه من الممكن وجود ظروف استثنائية قد تجعل الإنسان يتصرف بشكل مغاير تماما عما بداخله،

هذا فضلا عن أنه قد يتناقض مع شخصيته، وخاصة عندما يتعرض لمواقف يتصرف فيها بشكل استثنائي مثل لحظات الانفعال والغضب وغيرها. فالحكم على هذا الشخص ووضعه في قالب معين نتيجة الحكم عليه في ظل مثل هذه الظروف الاستثنائية لهو أمر خاطئ من الناحية المنطقية والأخلاقية على حد سواء.

فيجب عندما تحكم على شخص ما أن لا تقف عند معاملتك معه لمرة واحدة فقط، بل يجب أن تتعامل معه مرات عديدة، وأن يكون تعاملك مباشرا، والتقليل قدر الإمكان من التعامل غير المباشر، والذي يقوم على الواسطة بينك وبينه، والذي يؤدي كثيرا إلى سوء الفهم، وذلك من أجل أن يكون حكمك دقيقا ونقيا ويتسم بكونه حكما منطقيا.

 الحياة الأكاديمية

أما بالنسبة للحياة الأكاديمية فالأمر بالمثل؛ فالقراءة لعمل واحد لمؤلف واحد بعينه لا تكفي لتقييمه، بل يجب وبشكل ضروري قراءة جميع مؤلفاته، حتى يمكن إدراجه في اتجاه معين أو الحكم بتبنيه لمذهب محدد، فبعض الباحثين عندما يقومون بدراسة شخصية ما يفاجؤون بأن الكثير من مؤلفات هذه الشخصية – موضوع الدراسة – غير متوفرة لديهم،

إما أنها لا تزال بلغات يجهلونها أو أنها غير متوفرة مجانيا على شبكات الإنترنت بل بمقابل مادي وغالبا ما يكون باهظا، أو أنها تحتاج أدوات ومناهج تفسيرية لا يمتلكونها، فيكتفي بما هو متاح له وما في متناول يده، وهذا سيقود إلى الوصول إلى نتائج غير دقيقة عن الشخصية موضوع الدراسة، وسيؤدي إلى تصنيفها بشكل يتناقض مع ما يجب أن توضع فيه.

وذلك لأن الكثير من المفكرين يعدلون من وجهة نظرهم التي سبق وأن طرحوها، وبالتالي فآراؤهم ستختلف بل وقد تتناقض بعضها مع الآخر، ولكن يزول هذا التناقض عند قبول مبدأ “التحول الفكري”، وهو ما لا يمكن الوقوف عليه إلا برفض فكرة “الانطباع الأول” أولا، وضرورة الإلمام بكافة النصوص ثانيا. وتأسيسا لما سبق لا يمكن التعويل على عمل واحد أو اثنين وتجاهل الباقي، وهو يعد خطأ منهجي ومنطقي، وهو ما سيقود إلى الخطأ في التفكير.

مثال للتوضيح

ويمكن طرح المثال التالي ليقرب الفكرة إلى الأذهان، جميعنا يعلم أن المعادن تتمدد بالحرارة، وهو قانون علمي، جاء من خلال دراسة أنواع شتى من المعادن بفعل التجربة العملية خلال وضع معادن مختلفة الأنواع والأشكال تحت درجات حرارة متفاوتة،

وبعد إثبات التجربة كون المعادن تتمدد بالحرارة، تم الوصول إلى قانون علمي يقرر أن “كل المعادن تتمدد بالحرارة”، فمن غير الجائز علميا ومنطقيا الوصول إلى مثل هذا القانون خلال وضع معدن واحد فقط تحت التجربة، الأمر بالمثل في تقييم المواقف الحياتية والاجتماعية وكذلك الحياة الأكاديمية، والأمر ينطبق كذلك على دراسة الظواهر الإنسانية.

ثانيا: ضرورة وجود وقت كاف للتعقل.

وإذا كان من الخطأ الاعتماد على “الانطباع الأول” فقط كمعيار تقييمي، كذلك من الخطأ التسرع في إصدار الأحكام وعدم توفير وقت كاف للعقل، لأن هذا من شأنه أن يقود إلى الخطأ في التفكير. فعدم توفير وقت كاف للعقل لكي يتدبر ويتأمل ويفكر.. إلخ عند إصدار حكمه تجاه أمر ما، أو بمعنى أدق، عدم السماح للعقل بأن يقوم بفعل التعقل،

وهذا الأخير هو عبارة عن: “مجموعة العمليات العقلية التي تجمع كافة الأطراف المشتركة في أمر ما، والعمل على تحليلها وتفسيرها وجعلها مترابطة في نسيج ذهني يتسم بالإحكام المنطقي، مع الأخذ في الاعتبار مراعاة الفروق الفردية التي تنشأ نتيجة تباين المستوى الثقافي والتعليمي والمرحلة العمرية.. إلخ”.

فممارسة مثل تلك العمليات العقلية تقتضي بالضرورة بعض الوقت لأن تخرج نتيجتها بشكل محكم ودقيق وتتسم بالتناسق الفكري والتوافق المنطقي، وهذا من شأنه أن يقضي على كثير من الأخطاء التي يقع فيها كثير من البشر.

وتنتهي من كل هذا إلى أنه يمكن للإنسان أن يتجنب الوقوع في الخطأ، عند التأكيد على ضرورة المرور بتجارب متعددة سواء على المستوى الحياتي في التعاملات مع الآخرين أو حتى على المستوى الأكاديمي في حقل العلوم الإنسانية والطبيعية على حد سواء هذا في ظل توفير وقت كاف لممارسة فعل التعقل في الوقت ذاته.

وإلى اللقاء في مقال معرفي جديد.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

البعض يقع في الخطأ والحماقة مرتين .. ما الحل إذاً؟

الإنسان بين حتمية الخطأ و منطقية التسامح

التعميم الأعمى يلاحقنا .. لماذا هو أعمى؟

اظهر المزيد

د. غلاب عليو حمادة الأبنودي

مدرس اللاهوت والفلسفة في العصور الوسطى ، قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة سوهاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى