مقالات

إلى متى؟!

إلى متى سنظل صامتين لا نحرك ساكنًا ولا نسكن متحركًا؟! إلى متى سنظل صامتين والعالم من حولنا لا يأبه لحالنا ولا يرق لمصيرنا؟! إلى متى سنظل صامتين والكيان الصهيوني يدمر البلاد ويقتل العباد ولا يرقب فينا إلًا ولا ذمة؟! إلى متى سنظل صامتين وأهلنا في غزة جوعى ومرضى ومحاصرون من أخس أهل الأرض ويعيشون تحت وابل من الرصاص وخوف من الدمار؟!

ليعلم الجميع أننا إذا ظللنا مكتوفي الأيدي كما نحن الآن فسوف يأتي علينا يوم لا نستطيع أن نتحدث أبدًا، فقد خرست الألسنة وقت طلاقتها، وعجزت الأيدي وقت قدرتها، وقعدت الأرجل وقت نشاطها، وعقمت العقول وقت نضارتها، وتبلدت المشاعر وقت إحساسها، فإذا لم نستخدم طاقاتنا هذه الآن فلن نستخدمها أبدًا في قابل الأيام!

من لا ماضي له لا حاضر له

يقولون من ليس له ماضٍ فلا حاضر له ولا مستقبل، وهذا قول صائب مائة في المائة، وعليه فإذا أردنا أن نخرج من هذه الأزمة المحيطة بنا فيجدر بنا –بل يجب علينا– أن نرجع إلى ماضينا –وهو من أخصب المواضي البشرية– لنأخذ منه الدرس والعظة، وننظر كيف كان أسلافنا يتصرفون حين تحدق بهم الصعوبات وتتوالى عليهم الأزمات وتجتمع عليهم الأعداء، وحينئذ سيتبين لنا الطريق الرشيد والصراط المستقيم للخروج مما نحن فيه.

إن أسلافنا واجهوا من شدائد الحياة وصعوباتها مثل ما نحن فيه الآن وأكثر، فقد حوصروا من التتار وهُدمت بلادهم وقُتِّلوا تقتيلًا وهُجِّروا من بلادهم بعد تدميرها وحرقها، وهذا عين ما نواجهه الآن في فلسطين تمامًا، وكذلك واجهوا القوى الغاشمة من الحملات الصليبية التي جاءت من أوروبا ودمرت الأخضر واليابس، واحتلت بلاد الشام وما حولها من البلاد المباركة وهجمت على مصر تريد احتلالها هي الأخرى، لكن أسلافنا لم يعجزوا ولم يلينوا ولم يستسلموا، بل قاوموا وقاوموا، وجددوا العهد مع الله تعالى واستعادوا ما فُقد منهم.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

اقرأ أيضاً: ستنصرون.. ويهزمون والموعد الله

في الاتحاد قوة

أما نحن فإلى الآن لم نفعل ذلك، وهذا هو الفارق بيننا وبينهم، فهم استطاعوا أن يكونوا يدًا واحدة على من سواهم ونحن إلى الآن لم نستطع، فقد هيأ الله للعرب والمسلمين من يوحد لهم كلمتهم ويجمع لهم شملهم، فيحكي لنا التاريخ كيف استطاع القائد الأشهر الناصر “صلاح الدين الأيوبي” أن يأتي إلى مصر ويوقف المد الشيعي فيها، ويجعل مصر تحت راية الدولة الأيوبية السنية التي كانت تحكم بلاد الشام وبذلك اتحدت بلاد الشام ومصر، كما استطاع المظفر “سيف الدين قطز” –وهو في الأصل الأمير “محمود بن ممدود الخوارزمي”– أن يوحد بين مصر والشام مرة أخرى لمواجهة جموع التتار الغاشمة، الذين دمروا مقر الخلافة الإسلامية في بغداد وقضوا على الخلافة العباسية بها، ومن هنا كان مفتاح النصر الذي تحقق للعرب وللمسلمين على هاتين القوتين في ذلك الوقت.

للعلم فقد أوضح لنا التاريخ أنه ما من مرة اتحد فيها جيش مصر وجيش الشام إلا وكان النصر حليفهم قديمًا وحديثًا، وها نحن قد رأينا ذلك في القديم عند النصر على الصليبيين والتتار، وفي الحديث قد رأيناه في حرب العاشر من رمضان المبارك السادس من أكتوبر حين اتحدت مصر وسوريا ضد الكيان الصهيوني المغتصب، واستطعنا أن نهزمهم ونفضح غرورهم وعنجهيتهم أمام العالم كله، ونسترد ما سلبوه منا من أرضنا وكرامتنا.

اقرأ أيضاً: الوحدة قوة والتشرذم ضعف ووهن

عوامل الانتصار على العدو الصهيوني

الإسرائيليين - إلى متى؟!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وما دام الاستبصار في أحداث الماضي وتدبر حيوات شخصياته يعطينا مفاتيح المستقبل الذي نأمله، وينبهنا إلى ما يجب علينا الالتفات إليه إذًا فهو الواجب علينا، ونحن إذا نظرنا في ماضينا سنجد أن مفتاح مستقبلنا يتمظهر في حل واحد لا ثاني له، ألا وهو اتحاد العرب والمسلمين فيما بينهم، وبهذا الاتحاد وحده نستطيع أن ننتصر على العدو الصهيوني، أما ما نحن عليه من التفرق والتشرذم فهذا لا يؤدي بنا إلا لمزيد من الهزيمة والخسران، ويجعلنا لقمة سائغة أمام أكلتها الذين تكاثروا عليها.

كذلك يجب علينا أن نعلم أنه لن يتأتى لنا هذا الاتحاد وتلك القوة إلا إذا أزيلت الفوارق المقيتة والحدود الفاصلة كلها بين الشعوب قبل أن تزال بين الدول والحكومات، وهذا الدور منوط بعلماء الأمة الأمناء الذين يستطيعون أن يجمعوا الناس على كلمة سواء، وأن يوحدوا بين هدفهم في القضاء على العدو الصهيوني.

هذا هو الأصل الذي كان موجودًا قبل أن تحتل الدول الأوروبية الطامعة بلادنا العربية، فقد كان الإنسان العربي بل وغير العربي يتجول بين بلاد العرب بحرية دون أن يعترضه أحد، فيشعر أن البلاد كلها بلاده وأن الناس كلهم قومه، أما الآن فقد زرعوا فينا التعصب المقيت للوطن الصغير والتخلي عن القومية العربية التي طالما تغنينا بها في أمجادنا الماضية، كما زرعوا فينا أن يتعالى بعضنا على بعض وأن يتهم بعضنا بعضًا بعد أن كنا إخوة متحابين يكمل بعضنا بعضًا.

هذا أدى إلى تفرق الدولة العربية الكبيرة إلى دويلات عربية صغيرة، هي ما نشاهدها الآن موزعة على خريطة العالم، وتبع ذلك طبعًا أن توزعت القوة الكبيرة إلى قوات صغيرة لا تستطيع أن تصد العدوان ولا تستطيع أن تقاوم الغزو، فإلى متى سنظل بهذا التفرق؟! إلى متى سنظل غير مكترثين بما يحيق بنا من أخطار؟! إلى متى سنظل بعيدين عن الحل الأوحد الذي يخرجنا مما نحن فيه؟! اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.

اقرأ أيضاً: سنبقى بالمقاومة والصبر ننشُد ألحان النصر

اضغط على الاعلان لو أعجبك

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

اضغط على الاعلان لو أعجبك

د. عبدالله أديب القاوقجي

مدرس بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر

مقالات ذات صلة