فن وأدب - مقالاتمقالات

الاختيار

حزينا، ينتابه القلق من اللحظة الآنية، الهم وحش كاسر يجثم على صدره، فلا يكاد يتنفس، والوساوس غابات من الشوك الأسود تقطع نياط قلبه، والخوف مقاريض من حديد تمزق أحشاء روحه، ورائحة الكحول والمطهرات تخنقه، واللون الأبيض يكاد يتحول إلى كابوس لا ينتهي وهلاك لا ينفد، وانتظار الآتي رعب موحش وأرق ممض، وكل شيء حوله يشي بالموت، ويعانق الفناء. لم يعد يرى شيئا مع اشتداد الإنارة ووهج القناديل التي تعم أرجاء المستشفى، مازن ! مازن! آه يا حبيبي، يا سلوة الروح، ويا نبض الفؤاد، ويا بؤبؤ العين، ويا شمعة الظلام، ويا زهرة الجوري، ويا خصب الحياة، مازن! مازن!

إلهي، لا تعاقبني فيه، لا تأخذه مني، مازن، ابني الوحيد، أعز ما أملك، فلذة كبدي، رباه، لا أستطيع الحياة بدونه، كيف أعيش بعده؟! تبا لهذا المرض! تبا له! يحصد كل يوم المئات، آه! لقد تحول إلى وباء لعين، وبلاء مقيم، لكن ابني مازن ذا الزهرات الخمس ليس قادرا على تحمل الألم وقسوة كورونا، منذ أسبوعين وهو يعاني، يتمزق أمامي من شدة التعب، وأنا.. أنا لا أستطيع أن أفعل شيئا، خصوصا بعد أن دخل العزل، آه، ثم آه! والله لو كان هذا المرض رجلا لقتلته وأرحت ابني والعالم منه.

سحقا لهؤلاء الأطباء! كيف يمنعونني من رؤيته إلا عبر النوافذ الزجاجية، أريد أن أقبله، أحتضنه، ولكن هيهات! هيهات!!

أغفى قليلا، وتذكر كيف أن والدته ماتت يوم ولادته، بعد أن اشتد عليها الألم، وجادت بنفسها من أجل أن تهبه الحياة. آه يا حبيبتي! تذكرها، خمس سنوات على رحيلها، يا منية الفؤاد، ويا نغمة الروح، ويا ترنيمة الحس، زوجتي الجميلة، معشوقتي، ملهمتي، من فتحت باب قلبي على حب الحياة، من سطرت بمدادها معزوفة الأمان، من نشرت بعبيرها الشذي أرجاء الكون، من كانت همساتها أغرودة الصباح، وكلماتها أنشودة المساء، وجمالها يزين الآفاق.. آه يا حبيبتي!

بين الحب والمعاناة

بدأ يتذكر قصة الحب بينهما، وكيف كللت بالزواج، بعد أن تحديا كل الصعاب، واستطاعا معا أن يبنيا عشا جميلا، عاشا معا أسعد الأوقات، وأهنأ اللحظات، لم يعبأ كثيرا بتوسلات أمه ورجاء أبيه أن يتزوج عليها، خصوصا بعد أن مكث أكثر من خمس سنوات دونما إنجاب، لكنها إرادة الله، رفض كل ذلك، لقد كانت تمثل له كل شيء،

كان يوقن أن الله لن يتركهما، وسيعوضهما، كانا يدعوان في كل وقت وكل صلاة أن يرزقهما الله بطفل يملأ حياتهما، ويكمل سعادتهما، أخذا بكل الأسباب، طرقا كل الأبواب، حفظت له زوجه هذا الصنيع، فقد كانت تحبه إلى درجة العشق، بل شغفها حبا فلم تغضبه يوما، تماهت أرواحهما وتمازجت نفوسهما، عاشا معا في جنة من سحر الجمال، وجمال الخيال، لم يكن يدري في كثير من الأحيان هل هو على الأرض يسعى، أم في السماء يطير، ولم لا؟!

وهو في كل يوم يحلق في سماوات الهيام وفضاءات الوله، لا زال يتذكر ذاكم اليوم وقد أتت إليه حوريته وهي تزف إليه هاتيكم الخبر السعيد: “أنا حامل! نعم حامل!” رفعها بين يديه: “ماذا تقولين؟!”، “نعم حامل”، “ماذا قلت؟!” كاد يطير من الفرحة، ظلا لمدة ثمانية أشهر وهما في انتظار السعادة، كل يوم يمر إنما هو إيذان بمولد الضياء، وبزوغ الحلم، آه من تلكم الحياة!

الاختيار بين الأم والطفل

لقد بدأت مع الشهر التاسع تشعر بالتعب وتحس بالنصب، دخلت المستشفى وهو لا يكاد يتركها لحظة من ليل أو نهار، رباه! ها هي الزهرة المتفتحة تذبل شيئا فشيئا، لا يصدق نفسه، بيد أنه كان يخفي عليها، كانت تنظر إليه من حين لآخر نظرات ذات مغزى، كانت كثيرا ما تتشبث بيده لا تريده أن يتركها، الأطباء يتحدثون عن مرض خطير يكاد يودي بحياتها، وها هو موعد الولادة قد آن، وكان لا بد من الاختيار بين حياة المولود ونجاة الأم،

دونما تفكير مع اعتصار الألم في قلبه اختارها بلا شك، نسي كل شيء، نسي الحلم، فكل شيء يمكن أن يعوض إلاك أنت، كان كثيرا ما يخفي بكاءه عنها، وقبل الدخول في غرفة العمليات توسل إلى الطبيب أن يعمل ما في وسعه حتى ينقذ زوجته، صلى لله كثيرا، أكثر من ثلاث ساعات، ولكنها إرادة الله!

لقد فارقت الحياة، وأنجبت الطفل، الحلم، الضياء، مازن، نعم مازن، لقد اتفقا على هذا الاسم منذ زواجهما، نعم هو مازن، فربما يكون السحاب الذي سيمطر الرحمات على قبرها، والغيث الذي سيروي حياة والده.

ماتت زوجته، انقطع المدد الذي يهبه القوة ويمنحه السعادة، ويفيض عليه بالطهر ويمده بالحنان ويصله بالحياة، بكى عليها كما لم يبك أحد على فقيد، رثاها كما لم يرث شاعر حبيبته، ذرف عليها من الدموع حتى كاد يفقد عينيه، بدا أن الحزن فالق كبده وأن الهم قاتله لا محالة، بيد أنه تماسك بعد حين، حينما تذكر كم هي عظيمة، حينما أبت أن تفارقه إلا بعد أن تركت له وديعتها، بعضا منها، حبلا سريا سيظل معه ما دام على قيد الحياة، نعم، تذكر الطفل مازن، نعم مازن!

ٱه يا حبيبي! ابنه الجميل، أول العنقود وآخره، مبدأ الحكاية ومنتهاها، مطلع الأمر ومقطعه.. آه يا حبيبي، يا من نشأت يتيما، لم تر ينبوع الحنان، ونهر الجمال، آه يا حبيبتي! كم هو يشبهك!

نمو الطفل

سنوات خمس مرت، وهو يعيش على ذكراها، لا يجد له من نعيم إلا في ظلال كلمة قالتها له يوما ما، أو في أطلال حدث عاشاه معا يمر على خياله، لا يعرف معنى الشوق إلا في مناجاته طيفها، وخلوته بروحها، نعم روحها التي لم تتركه يوما، فها هي تملأ أقطار حياته، تحلق في أرجاء المكان، وتحوم في ثنايا الزمان، وتتراءى من حين لأخر بين أروقة البيت وعبر دهاليزه، وكأنها تطمئن على حالهما، وتراعي شؤونهما.

خمس سنوات، والطفل يكبر شيئا فشيئا، وها هو يرفض الزواج مع أنه كان فتى قسيما وسيما، في بداية العقد الرابع من عمره، ترك كل شيء، أغمض عينيه عن كل المغريات، إلحاح متواصل من أسرته، بيد أنه كان في كثير من الأحيان ما يمازحهما، أنا بالفعل متزوج! ههههه! نعم، زوجتي التي لا توجد امرأة قبلها ولن توجد امرأة بعدها، حوريتي، التي لم ترحل عني يوما!

سخر كل حياته لابنه مازن؛ قد كان الأمل الذي يعيش من أجله، والحلم الذي يحياه، تمنى أن يعيش حتى يراه طبيبا، يعالج المرضى ويبرئ الآلام، ويخفف عن الأجساد المنهكة، ويروح عن النفوس المتعبة، فهل سيعيش حتى يأتي ذلكم اليوم؟

وها هي الزهرة تتفتح يوما بعد يوم، وهو لا يبخل عليه بأي شيء، بدأ يعلمه القراءة والكتابة، وبعض أجزاء من القرآن والطفل يستجيب، بدت عليه طلاقة لسان، يأخذ العين أينما ذهب، ويخطف الأضواء حيثما حل، كان طيلة الوقت يحصنه بالأذكار ويعيذه بالأوراد.

أحاطه بسرادق من العطف، وأسوار من الأمان، وطوفان من الرحمة، كان يخاف عليه من نسمة الهواء ووهج الشمس، بل يخاف عليه من نفسه إذا ما احتضنه بقوة أو قبله بشدة، كان يدور كالمذعور إن أصابه البرد أو زارته الحمى، حب جارف.

من آن لآخر يتحدث معها، نعم فقد كان كثيرا ما ينظر إلى صورتها التي جعلها خلفية لهاتفه الجوال، ويسرد لها ما حدث له في يومه، عن العمل، عن مشاكله، عن الناس، كان كثيرا ما يستمع إلى نصائحها، ويستمتع بآرائها.

أين أمي؟

“ها هو مازن! نعم ها هو مازن، انظري يا حبيبتي، كم هو يشبهك!”، “مازن، انظر، هذه أمك! ألا ترى جمالها! ألا تنظر إلى عينيها السوداوين الكحيلتين، ألا تشبه عينيك؟! أنت عارف يا مازن، والدتك بتحبك أوي أوي؟ نعم بتحبك، بتحبك جدا، كم هي حنونة”.

“لكن هيا مبتتكلمش؟ أنا مشفتهاش ولا مرة واحدة، هي فين؟! هيه ليه مبتجيش هنا وتنام معايا وتلاعبني، وليه مبتتكلمش في التليفون؟ ليه مبتتطمنش عليا؟!  هيه فين يا بابا؟!”، “إنها في الجنة، نعم في الجنة، وحينما نكبر أنا وأنت ها نروح ليها، بس هيه سبقتنا”.

“لكنها مبتتكلمش معايا”، “أيوه، لكنها بتسمعك كويس، بتحس بيك، بتحبك أوي أوي، وعايزاك طبيبا ماهرا”.

الإصابة بالوباء

كبر مازن، بدت عليه إمارات الذكاء وسيماء النجابة، لكنها الأقدار، نعم الأقدار! لا يعرف بالضبط كيف أصيب بهذا المرض الخطير، مع أنه كان يحافظ عليه، ويخاف أن يمسه مكروه، ألا قاتل الله هذه الكورونا!

انتبه من غفوته على وقع ضربات ثقيلة، إنها هرولة الأطباء يمنة ويسرة، نظر فإذا عقارب الساعة المعلقة على إحدى الحوائط وكأنها تنهشه عند كل دقة من دقاتها. لحظات تمر كأنها الجبال، رباه ما هذا؟!

لقد ظهرت عليه علامات الإرهاق الشديد والتعب النفسي، شحوب في الوجه، هالات سوداء حول عينيه من قلة النوم، فقد كثيرا من وزنه طوال هذين الأسبوعين، فلم يكن يأكل إلا ما يسد رمقه، ويمنعه من السقوط، كان كثيرا ما يأبى الطعام، بيد أنه كان يتماسك بعض الشيء حينما يتذكر مازنا، لقد بدا كما لو كان كهلا في الخمسين، وليس شابا في الثلاثينيات.

سمع صوت المؤذن، لم يكن يدري أية صلاة هذه؟! ربما تكون صلاة العصر، نعم هي، فلقد صلى الظهر، كان حريصا على أداء الصلوات، كان كثيرا ما يسجد لله ويدعوه أن يحفظ له ابنه فلذة كبده، تضرع لله كثيرا، سجد كما لم يسجد من قبل، أطال السجود، أنهى صلاته، ذهب إلى حيث يرقد مازن، اتكأ على الكرسي، ينظر إليه عن كثب، لا يدري كم من الوقت قد مر، وفجأة إذا بممرضة تأتي إليه مسرعة فرحة، انتبه ما الأمر؟!

مبروك يا أستاذ هشام، نتيجة تحاليلك طلعت سلبية، لم يفرح، ولم يعر الأمر اهتماما، فلم يكن من البداية يريد أن يقوم بهذه التحاليل، لولا أن المستشفى قد أجبرته على ذلك حينما تأكدت من إيجابية حالة مازن.

هاتفه المحمول يرن، إنها مكالمة من أحد الأصدقاء يطمئن عليه وعلى مازن، أنهى المكالمة، وبدون أن يشعر بدأ يقلب في الصور والفيديوهات، مازن، حبيبي، لكم أشتاق إليك!

ذكرى عابرة

توقف عند آخر فيديو، فيديو عيد ميلاده الأخير، حينما ذهب به إلى أحد المولات الشهيرة، واشترى له كل شيء، ولعب، وفرح ،وقفز، كم كان يوما جميلا!

“أنا بحبك أوي أوي أوي يا بابا”، هكذا كان يقول له. “بتحبني أد إيه؟!” فيفتح مازن ذراعيه، ويقول: “أد كده.. لأ لأ.. أد الغرفة دي.. لأ لأ.. أد الدنيا كلها.. بحبك لأنك بتجيب ليا كل حاجة.. كل حاجة.. بحبك أوي أوي أوي.. لكن برضه أحيانا بزعل منك، لأنك مبتنيمنيش معاك في حضنك كل يوم، أحيانا بتسبني أنام لوحدي على سريري!”

“حبيبي، أنت كبرت، صح، ولازم تنام في غرفتك على سريرك، أنت بقيت راجل! ولا مش راجل؟”

“لأ.. راجل”

“لسة زعلان مني”

“لأ.. خلاص”

“عارف يا مازن أنا بحبك أوي أوي أوي.. أد الدنيا والعالم كله، أنت كل حياتي، عاوزك أفضل واحد”. “حاضر يا بابا”.

انتبه فإذا بالطبيب المعالج ماثلا أمامه: “أستاذ هشام، مستر هشام”، قام مفزوعا: “إيه؟! إيه اللي حصل؟!”

كان وجه الطبيب يقول كل شيء، نعم كل شيء، “إيه إللي حصل؟! مازن، فين مازن؟! مستحيل، مستحيل، فين مازن؟!”

نظر فلم يجده في غرفته، أمسك بالطبيب بشدة، انهال عليه ضربا ولكما، “فين مازن؟! بقولك فين مازن؟”، هستيريا، صراخ، عويل، “إياك أن تقول إنه مات.. لأ.. لأ.. حرام عليكم.. حرام عليكم!”.

فقد توازنه، وقع مغشيا عليه، أفاق بعد وقت، “أين مازن!! فين مازن؟!” لا يصدق ما حدث، هل هو في حلم؟! لأ.. لأ. كابوس، تمنى أن يكون كذلك، لا يمكن أن يموت مازن، لا يمكن!!

احتضار الطفل

لكن الحقيقة المرة أنه قد توفي متأثرا بإصابته بالكرونا، وقد قامت المستشفى بعمل الإجراءات اللازمة لتغسيل الطفل بطريقة معينة حتى لا يعدي أحدا.

“أرجوك أين مازن؟! أريد أن أراه”، “يا أستاذ هشام، الأمر فيه خطورة على صحتك، مينفعش إنك تشوفه، خلاص، هذا قدر الله، كل نفس ذائقة الموت، إنا لله وإنا إليه راجعون”، “لو سمحت أريد أن أراه”، أغرورقت عيناه بالدموع، فقد كل شيء، ولم يعد يأبه بأي شيء، انكب على قدم الطبيب، كي يسمح له برؤية الطفل،

ولم يكن بوسع الطبيب إلا أن يوافق بعد رؤيته حالته، أخذه إلى الحجرة المخصصة لموتى كورونا، وهي معقمة بطريقة معينة، اشترط عليه أن يراه عبر النافذة، رفض الأب أريد أن أرى وجهه مباشرة دونما حواجز، سمح له أن ينظر إليه عند الباب، وبمجرد أن وقف على باب الغرفة ورأى ابنه، دفع الطبيب حتى وقع على الأرض، وجرى نحو مازن، وسط ذهول من الجميع، إنها مصيبة، سينتقل إليه المرض لا محالة، حاولوا الإمساك به، لم يفلحوا، “مازن يا حبيبي”، إنهال على ابنه المسجى بالتقبيل والأحضان، لقد نسي العدوى، أو إصابته بالمرض، نسي كل شيء.

شده الجميع بما رآوه، لقد بدا كما لو كان فراشة تقترب من النار، احتضنه بشدة، “ما قيمة الحياة بعدك يا مازن، على فكرة يا مازن أنت لست رجلا، كيف تتركني وحدي”، قبله كما لم يقبله من قبل، طوقه بذراعيه، سالت الدموع على جبين الطفل المسجى، القلب يرتجف، والنفس يتصاعد، والكل ينظر في حيرة، ولا يدرون ماذا يفعلون..

أخذه بين أحضانه، وتمدد على السرير، لحظات وقد جاءت قوة من أمن المستشفى مجهزة، كي تنتزع الطفل منه، لكنهم وجدوه وقد أسلم الروح.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

قلق الموت

علاقات متوازنة

هل كان هناك موت قبل كورونا؟

اظهر المزيد

أ. د. محمد دياب غزاوي

أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية- جامعة الفيوم وكيل الكلية ( سابقا)- عضو اتحاد الكتاب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى