مقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

الأفعال البشرية بين العقلانية والمعقولية: هل العقلانية نقيض المعقولية؟

مقدمة:

لا شك أن هناك ضرورة ماسة للتفرقة بين المعنى الاصطلاحي لمصطلحي العقلانية والمعقولية، تكمن هذه الضرورة في قناعة الكاتب بأن المصطلح قد يؤسس ثقافة تنبني على فهم عام لمدلولاته التي اصطلح عليها المختصون، كذلك فإن اضطراب دلالة المصطلحين وتداخلهما قد يعرض تراكم المعرفة وتقدم العلم إلى الخطر، والمتأمل لاستخدامات مصطلحي العقلانية و المعقولية في تاريخ الفكر الفلسفي عموما، وفي فلسفة العلوم خصوصا يجدها إما تماهيا أو تداخلا كبيرا بين مدلولات المصطلحين، إضافة إلى وجود موقف ثالث يدعم التناقض التام بين العقلانية والمعقولية.

من هذا المنطلق رأى الكاتب ضرورة التمييز بين مدلولات المصطلحين للوقوف على أهم الفروقات الاصطلاحية بينهما.

الفرق بين العقلانية والمعقولية:

إن الفعل العقلاني هو فعل موضوعي موضوعية حداثية (كلاسيكية)؛ فعل يلزم عن مقدمات منطقية سليمة، إنه فعل مدفوع بالمنفعة أو المصلحة، سواء كانت المصلحة عامة أو خاصة. ما يهتم به الفعل العقلاني هو النتيجة القائمة على حجة تدعم المصلحة، كما يتميز الفعل العقلاني بالتجريد.

أما الفعل المعقول، فهو فعل موضوعي موضوعية دينامية، تتضمن ارتباطا انفعاليا بين الشخص وموضوع الفعل والحالة الواقعية، إنه فعل يرتبط ارتباطا كبيرا بالسياقات الاجتماعية والثقافية والفكرية. كما أن للمعقولية اعتبارات أخرى حدسية وأخلاقية ونفسية وعلمية وسياسية، بخلاف العقلانية التي تستند الأحكام فيها إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل.

تختلف المعقولية عن العقلانية – فيما يرى بعض المفكرين- في كونها لا تتأسس بالدرجة الأولى على المصلحة النفعية، بغض النظر عن كون هذه المصلحة عامة أو خاصة، كما أنها لا تنبني على حسابات المكاسب والخسائر. وعليه، فهي لا تجعل نتائج الفعل معيارا لمحاكمة مدى ضرورة القيام به أو عدمها. ما هو معقول يتحدد وفقا لمدى المقبولية الأخلاقية/ النفسية للفعل أو للواقع الذي يتعامل معه.

وهكذا تحيل المعقولية إلى “حساسية أخلاقية” تفتقدها العقلانية الحسابية، كما يقول جون رولز محقا، في سياق تمييزه بين المعقول والعقلاني. وتبرز المعقولية بوضوح في حالات الفعل القائم على أسس أخلاقية/ نفسية ما.

كما أن عدم اكتراث الفعل المعقول (نسبيا وجزئيا) بالنتائج التي يمكن أن يفضي إليها لا يعني أنه ليس فعلا غائيا، بل يعني أن غائية هذ الفعل ليست قائمة على حساب للنتائج الممكنة أو المرغوبة، وإنما تنبني هذه الغائية على أساس الموقف الذي ينبغي اتخاذه تجاه وضع ما.

ففي حالة تعرض شخص ما أمامنا للاعتداء، فإن المعقولية تقتضي الدفاع عن هذا الشخص والعمل على إيقاف هذا الوضع غير المقبول، أخلاقيا ونفسيا. أما العقلاني فربما يمتنع عن التدخل، إذا اعتقد أنه لن يستطيع تحقيق مصلحة ما من وراء هذا التدخل، وأن مصلحته الخاصة قد تتضرر بشدة من جراء هذا التدخل، كتعرضه للإصابة أو تمزق الملابس.

المعقولية جوهر الإنسانية:

على الرغم من تعدد العقلانيات في تاريخ الفلسفة، إلا أن المفهوم العام للعقل واحد وثابت لدى غالبية المذاهب الفلسفية الكلاسيكية، فالعقلانية لا تنظر للأفكار خارج نطاق منهج علمي صارم، إلا أن غالبية فلاسفة ما بعد الوضعية شنوا ثورة على العقل والعلم بوصفهما الحكم الأوحد في دولة المعرفة، وأعلوا من شأن الذات العارفة، واهتموا اهتماما كبيرا بالحالة الواقعية والسياقات المختلفة أثناء عملية الحكم على الفعل أو السلوك البشري، وهو ما يتجه بنا نحو الانتقال من العقلانية إلى المعقولية.

إن المعقولية ليست على النقيض من العقلانية، وإنما هي عقلانية قيمية تراعي القيم والأخلاقيات والحالات النفسية والمشاعر الإنسانية والسياقات الثقافية والاجتماعية المختلفة، إنها عقلانية مهمومة، فهي العقلانية البشرية في أبهى صورها، وهي التي تجعل الإنسان إنسانا. إن السلوك الإنساني والأفعال البشرية والإنسانية أمور في معناها العام لا يمكن تفسيرها ولا فهمها إلا من منظور المعقولية، وليس من منظور عقلاني بحت.

على مستوى السياسة العالمية:

المتأمل للمشهد السياسي العالمي المعاصر يجد أن كثيرا من الأحداث السياسية العالمية لا تسير بمنهج علمي منظم، ولا تخضع لمنطق عقلاني معين، فإذا فكرتم بشكل عقلاني في الطريقة التي يعتمدها الساسة في سياساتهم الداخلية أو الخارجية سترون أن من الصعوبة التنبؤ بتلك الطريقة بشكل عقلاني بحت، حيث إن هناك العديد من الاعتبارات تدخل في عملية اتخاذ القرار، ورغم تصرف الساسة طبقا لاعتبارات المصلحة والنافع والضار، إلا أن لحساباتهم بعدا آخر لا يمكن للعامة إدراكه، قد يكون نظرة مستقبلية للأمور أو مغامرة أو تصرفا طبق سياق سياسي أو اجتماعي بعينه، ولنا في ثورات الربيع العربي مثال نموذجي على غياب العقلانية وانتصار المعقولية ، حيث تقوم الثورات على اعتبارات أخلاقية وارتباطات انفعالية رافضة للأوضاع الراهنة آنذاك.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

التفكير من المفهوم إلى الإجراء

” العقلانية ” في قفص الاتهام

الإنسان والسلوكيات الأخلاقية

الوسوم
اظهر المزيد

د. وائل صبره

عضو هيئة تدريس بجامعة سوهاج، مدرس الفلسفة ومناهج البحث كلية آداب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق