ما بين الطوائف و الطائفية

ما بين الطوائف و الطائفية
اتصل به في وقت متأخر من الليل بعد أن أعياه التفكير
– أنائم أنت؟ أنا آسف، فالأمر عاجل ولا يحتمل التأجيل
– تحدث ما الأمر
– حدثتكم كثيرا عن جاري في السكن، علمت أنه …. شي.. شي.. شي …شيعي
– يا نهار أسود!!!!
– هذه أول مرة في حياتي أرى منهم أحدا، رأيتهم في التلفاز فقط، ليس عندنا منهم في مصر، أشعر وكأنني كنت مغفلا طول الوقت
– إحساسي صادق، كنت متحيرًا من هذا الإكرام والسخاء غير المبررين، لقد وجدوا فيك صيدا ثمينا ولكن كيف عرفت؟
– من اسم شيخه عبد الحسن
– منتفضا، أعوذ بالله لا تعد نطق الاسم
– لم أقصد فقط لأعرّفك
– أخبرني هل كنت تؤاكله فعلا؟
– نعم ولا تزال آخر وجبة منه في معدتي
– لحم؟
– نعم
– صلاح. ذبائحهم لا تجوز إنهم ليسوا حتى من أهل الكتاب، الأحوط أن تتقيأ ما أكلت إذا كان في استطاعتك.
كان هذا مشهدا من رواية (طيور الجنوب) وإن كان في ظاهره مضحكا فإن حقيقته مؤلمة، وشر البلية ما يضحك.
يولد الإنسان منا في أسرة وبيئة ومجتمع ودولة يبدأ منذ صغره بالتقوّي بأسرته وعائلته وينتمي لها على حساب أسر وعائلات أقرانه ثم لا يلبث أن يدرك حدود قريته أو مدينته فينحاز لها على حساب القرى أو المدن الأخرى ثم يفعل نفس الشيء مع ما هو أكبر سواء كان دولته أو إقليمه أو قارته فهذه الانتماءات لا دخل له فيها وهي خارجة عنه فهي حسبه.
إلا إنه لا يقنع فيبدأ بتكوين انتماءات خاصة به كمجموعة الأصحاب أو النادي الذي يشجعه أو طائفته الدينية أو حتى الجمعية الخيرية التي اشترك فيها مؤخرا، فتجده مدافعا عن أبيه أو عشيرته أو دولته بغض النظر عما إذا كانوا على صواب أو خطأ فهذا أمر فطري جُبل عليه الإنسان- ألا وهو الانتماء- ولا أحد يعيب عليه ذلك فهذا وازع من الولاء والانتماء اللذان هما من مكارم الأخلاق ولكن حقيقة المشكلة في التعصب الأعمى الذي يعميه عن إدراك الحقيقة ويسلكه مسالك الشر والطغيان وقد وازنت هذه المعادلة “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” فكل منا يعرف كيف ينصر أخاه مظلوما أما ظالما فبردّه عن ظلمه، هذا هو الانتماء المحمود الذي لا غبار عليه فمن الطبيعي جدا أن تنحاز لأخيك أو أبيك أو صديقك أو ابن بلدك الذي لا تعرفه ولكنك قابلته في الغربة.
ما الفرق بين العصبية المحمودة و الطائفية
ولعلك تجد هذا متفقا مع كلام ابن خلدون حينما تكلم عن نظرية العصبية وقد عرفها على أنها لا تعنى مطلق الجماعة وإنما الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدم أو رابطة الحلف والولاء بشرط الملازمة بينهم من أجل أن يتم التفاعل الاجتماعي وتبقى مستمرة ومتفرعة بوجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم فينشأ بين أفرادها شعور يؤدى إلى المحاماة والمدافعة وهم يتعصبون لبعضهم حينما يكون هناك داع للتعصب.
فهنا جعل ابن خلدون العصبية مقوما من المقومات التي يقوم المجتمع هذا بدوره يعرض أهمية التنوع والتعدد في المجتمع فهذا يفرض على المجتمع حالة من الديناميكية والتعارف والتعايش، حقيقةً العقل البشري لا يستطيع أن يتخيل مجتمعا يخلو من طوائف، ومن الانتماءات، فهي من شأنها أن تحركه وتجعل فيه نوعا من الحياة وإلا أصيب بحالة من الركود أو الموت الإكلينيكي.
فبذلك أذن الخالق بالحياة لهذا العالم فأصل الحياة قائم على الاختلاف كل يحتاج للآخر وكل يؤدى دوره ويتنافس الكل نحو السمو والكمال
لننتقل الآن من العصبية -المحمودة الفطرية التي قصدها ابن خلدون والتي هي ضرورية لاستمرار المجتمع- ونلقي نظرة على واقعنا الذي نعيشه ولنأخذ الصراع الطائفي بين الطوائف الإسلامية (الطائفية ) كمثال لهذا الموضوع.
منذ بداية التاريخ الإسلامي وبدء ظهور الفرق الإسلامية، والوضح إنها كانت خلافات سياسية على الحكم وللأسف كان يستخدم الدين فيها وكما قلنا كل يدعي الحق لنفسه والآخر لا يستحق حق الحياة أصلا بل تعدى الأمر ذلك في بعض الأحيان إلى أن الاخر لا يستحق حق الدفن وتوالت هذه الخلافات إلى يومنا هذا فكان لا بدّ من نأخذ سهمنا منها وقد كان.
يعد الصراع السني الشيعي ( نوع من الطائفية ) الآن هو الأخطر على الأمة الاسلامية والتحدي الأكبر أمامها فبالرغم من كون المشتركات الكثيرة بين هذه الطوائف السنية والشيعية إلا أن كثيرا منها يأبى إلا أن يحتكر الحق لنفسه وكالعادة أقنع الشيطان الفريقين أن خطر الشيعي على السني أشد من خطر الصهيوني وخطر السني على الشيعي أشد من خطر الصهيوني ودواليك … ينصرف السني إلى الشيعي ليقضي عليه ثم يتفرغ للصهيوني وكذلك يفعل الشيعي ويخيل إليهم عقلهم المعطل أنهم في يوم ما سيتفرغون إلى الصهيوني ويجلس الصهيوني بعيدًا مبتسمًا ولسان حاله يقول اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين.
السنة والشيعة كدائرتين متقاطعتين بينهم منطقة مشتركة يأبى البعض أن يدخل فيها ويصر أن يذهب لأبعد مكان عن الطرف الاخر، فنحن لا نطلب أن يتخلى كل فريق منهم عن دائرته ويدخل في دائرة الآخر لا سمح الله ولكن ببساطة نطلب منه أن يظل في دائرته كما هو ولكن في المنطقة المشتركة مع الدائرة الأخرى.
وألخص كلامي بأن القضاء على الطوائف و الطائفية والمذاهب يعد دربا من الخيال وليس في صالح مجتمعاتنا ولكن الهدف هو القضاء على الطائفية بصورها البغيضة ليس بين كل طوائف عالمنا العربي والإسلامي فقط بل العالم أجمع
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط
ندعوكم لزيارة قناة الأكاديمية على اليوتيوب
.