زمن العولمة
عالم تتقارب أجزاؤه ليغدو كقرية واحدة عالمية، هذا التقارب هو تقارب ثقافي وإنساني بين شعوب الأرض، هو تلاحم اقتصادي بين دول العالم، إنه نظام دولي جديد تتحرر فيه الاقتصاديات الوطنية من القيود والعقبات التي تواجهها، نظام يعطي للدول النامية فرصة الدخول إلى أسواق الدول الأخرى، كان هذا هو مفهوم العولمة الذي درسته في مادة الاقتصاد عندما كنت طالبًا في المرحلة الثانوية، اتحاد إنساني وتلاحم ودول قوية تأخذ بيد دول نامية، استخدمت إدراكي الحسي في حفظ تلك المعلومات وساعدني إدراكي الخيالي على تذكرها يوم الامتحان ولأول مرة أحصل على الدرجة النهائية في مادة حتى إنني كنت أقول مازحًا وقتها إنني الأول على الجمهورية في مادة الاقتصاد.
لم يكن لإدراكي العقلي رأي في موضوع العولمة إلا بعد مرحلتي الثانوية بفترة عندما بدأت ألاحظ وأتابع ما يحدث حولي، لم أجد هذا التلاحم الإنساني العولمي في الحروب الأهلية التي تحدث فقط داخل الدول النامية باستخدام سلاح تلك الدول القوية الهانئة في رخاء المادة ولنا في سوريا مثال، لم أجد هذا الاتحاد الاقتصادي عندما لاحظت أن كل الصناعات والمنتجات في بلادي هي حكر على أسماء شركات عالمية كبيرة منتشرة في كل أرجاء العالم متعددة من جنسيات تلك الدول القوية وإن وجدت منتجًا محليًا ستجده غير قادر على المنافسة، لم أجد هذا التقارب الفكري في إعلام وفن بلادي اللذيْن يروجان لكل ما هو يتعلق بثقافة وفكر الطرف القوي من قيم التحرر المطلق والمادية المفرطة والأنانية، مبدأ واحد يحاولون زراعته، أفعالك نتيجة لرغباتك فالرغبة هي المعيار الوحيد لأفعالك دون الالتزام بأي قيود دينية أو قيمية، أنت مركز هذا الكون، ” أنا رئيس جمهورية نفسي”، “خراب يا دنيا عمار يا دماغي”، “معاك قرش تسوى قرش”، “إن جالك الطوفان حط ابنك تحت رجليك”… وغيرها من الجمل البسيطة التي تحمل اتجاهًا فكريًا يتبناه الإعلام والفن هو الاتجاه الفكري الغربي، فالسعي مستمر لنشر قيم الفهلوة والشطارة والتحرر والنفعية والمصلحة والأنانية والانتهازية وغيرهم على حساب قيم مثل الصدق والأمانة والتعاون واحترام الكبير والعفة والاحتشام والوفاء وغيرهم، إعلانات وعروض للاستهلاك وشركات تنتج كثيرًا وبحاجة لبيع منتجاتها ومسابقات رقص وملابس لا تُعبر عمّا يلبسه أبناء هذا المجتمع في الواقع، وغيرها من المظاهر الدخيلة على ثقافتنا.
إن ما نراه الآن من عولمة رأسمالية غربية أبعد ما يكون عن هذا المفهوم الذي تعلمته في دراستي، إنها عولمة الأقوى، القوي الذي يتحكم في الضعيف، عولمة الغابة.
بالبحث عن ماهية العولمة نلاحظ أنه مع قيام الثورة الصناعية في أوروبا حدثت زيادة في الإنتاج وكان هذا الوضع يتطلب أيضًا حدوث زيادة في الاستهلاك فكان لزامًا على دول المركز الرأسمالي التحكم في الدول النامية لجعلها سوق لتصريف إنتاجهم الجديد ولضمان إضعافها كي لا تنافسهم، فاستخدموا مصطلح العولمة للترويج لأهداف نظامهم الدولي الجديد بطريقة يسهل نفسيًا تقبلها عند عموم الناس فالنظام الدولي الجديد عولمة والعولمة حضارة عالمية، فكان الأفضل التحكم فكريًا في مصير تلك الدول باستخدام الآلة الإعلامية الأقل تكلفة من السلاح خصوصًا مع ثورة الاتصالات وظهور الفضائيات والإنترنت، فعملت على التوغل الفكري بنشر الفكر المادي وثقافة الاستهلاك، ومن خلال التحرر الاقتصادي وضمان حرية السوق -سواء كان عن طريق الاتفاقيات الدولية أو إجبار الحكومات أو التدخل العسكري أحيانًا- ضَمِن رعاة الرأسمالية التوغل الاقتصادي وتصريف منتجاتهم، وإذا تحكمت في ما أبثه في عقول شعبك وفي اقتصاد دولتك سأضغط عليك كما أشاء، فتوغلت دول المركز الرأسمالي سياسيًا في قرارات ومصير الحكومات وعملت على إضعافهم كي لا يكون لها منافس، عولمة اليوم تعمل على أن يصبح العالم دائرة اجتماعية وسياسية وثقافية واحدة تتلاشى في داخلها الحدود بين الدول، يجلس في قُطر الدائرة ويمتلك عجلة القيادة لتحريكها هذا الغول الرأسمالي الذي يحركها وفقًا لمصالحه ومعتقداته، فالعولمة اختراق للحدود القومية وانحسار كبير في سيادة الدول، يقول فريدمان أن العولمة هي الأمركة وأن دول الماكدونالدز ويقصد الدول التي تكثر فيها محلات هذه الشركات الكونية هي دول لا تحب الحرب وأن العالم يجب أن يكون ديمقراطيًا رأسماليًا على النهج الأمريكي.
هذا الحيوان الرأسمالي المفترس الفاقد للعقل المالك للعولمة يمكننا أن نلمس آثاره اجتماعيًا، يمكننا أن نلمس تلك الفجوة العميقة بين شرائح المجتمع الواحد، يمكننا أن نرى السيارات الفارهة جنبًا إلى جنب مع الأطفال الشحاذين يمسحون زجاجها، يمكننا أن نرى “كومباوند” في ظهر إحدى العشوائيات، فمجموعة قليلة تمتلك الثروة والعوام أعانهم الله، الإحصائيات تقول إنه في العشر سنوات الماضية عملت 500 شركة من أكبر الشركات العالمية على تسريح 400 ألف عامل كل عام رغم ارتفاع أرباحهم وهذا من منطلق إنتاج أكثر بأقل ما يمكن من عمال فلا يوجد ضوابط أخلاقية أو قانونية على هذا الفكر الرأسمالي، يمكننا أن نرى تدمير القطاع الصناعي المحلي في مواجهة الرأسمالي الوحش متعدد الجنسيات ومئات الأفكار الشبابية العاجزة عن التنفيذ تذهب إلى بلاد الغرب الرأسمالي وأمام احتياجها تضطر على التطبع بطبعها والسير في خدمتها، يمكننا ملاحظة تغير الفكر الأُسري من الإنتاج إلى الاستهلاك فقليلًا ما نرى امرأة تقوم بتربية الدواجن والطيور مثلًا، قليلًا ما نجد هؤلاء أصحاب الحرف الصناعية الإنتاجية المتوسطة، فالكل الآن يسير في رحاب وظائف الشركات ومن لا يستطيع السير نراه يعمل في التجارة، يمكننا ملاحظة الإقبال الكثيف على الشراء بفعل تلك القيم الاستهلاكية التي غزت عقولنا عبر الإعلام، فأصبح من العيب الذي يسبب الحرج عدم امتلاك تلك السلع الاستهلاكية التي قد يسعى إليها الفقير رغم ظروفه من باب إنها سُنة الحياة فالبعض يعتقد الآن أن قيمة الإنسان بنوع هاتفه المحمول أو بامتلاكه سيارة أو بقدرته على تناول الطعام في كنتاكي وأخواتها أو بشكل ملبسه وغيرها من تلك المظاهر المادية، مع تزايد البرامج والعروض الإعلامية التي تمجد التحرر والاستباحة نرى زيادة معدلات العنف وظهور جرائم جديدة على المجتمع العربي مثل قتل الأزواج أو قتل أحد الوالدين، ظاهرة الإلحاد، ظاهرة الزواج العرفي، جرائم الاغتصاب وغيرهم، نرى انشغال الوالدين إما بالعمل خارج المنزل لساعات طويلة من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية والزائفة نتيجة تزايد العروض والإعلانات على السلع الاستهلاكية وإما بمتابعة المسلسلات والبرامج عبر الفضائيات وهذا خلق فجوة نفسية وفكرية بين الأبناء والآباء الذين يعتقدون أنهم بتلبية احتياجات أبنائهم المادية قد قاموا بواجبهم تجاههم غافلين الجانب الروحي لأبنائهم،إن ما تقدمة آليات العولمة من نشر ثقافة الجنس يؤدي إلى الانحراف الجنسي للشباب بسبب العروض الجنسية الشاذة التي لا تخضع لقيم أو معايير دينية أو مجتمعية، كما يؤدي لزيادة نسبة الزواج العرفي والزنا والاغتصاب بسبب عجز الشباب عن مقاومة تلك الإغراءات الجنسية خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الزواج وتأخر سنه نتيجة الاستهلاك الغير منضبط.
يقول الدكتور محمود عرابي ” تعمل العولمة على نشر وتكريس عدة أوهام منها وهم الفردية، أي اعتقاد الفرد أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه؛ وبالتالي فوهم الفردية هذا يهدف إلى إلغاء الهوية الجمعوية والوطنية والقومية وكل إطار جماعي آخر ليبقى الإطار العولمي وحده الموجود، كما تعمل العولمة على تنمية وهم الخيار الشخصي وتكريس النزعة الأنانية باسم الحرية وطمس الروح الجماعية، بالإضافة إلى وهم الحياد والتخلي عن أي انتماءات من باب “وأنا مالي” “، والكلام كثير لا يسعه المقال عن هذا الهجّام الرأسمالي المتسلح بسلاح العولمة.
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.