إصداراتمقالات

موسم العاطفة

و أنا عائد من عملي مثل كل يوم حوالي الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل و ككل يوم أتمنى أن أُدرك آخر عربة مترو متجة إلى حلوان، و كالعادة فالهدوء يملأ عربة المترو و عندما اقتربت من محطة الزهراء جاء صوت من آخر العربة بالصراخ و بدأ يقترب حتى أصبح واضحا و هو يعلو و يقول: “أرأيتم صورة الطفل الغريق على شواطئ تركيا؟!!!”

 و بدأ يقترب و إذا به في منتصف العربة رجل يتضح من ملامحه أنه يقترب من الستين، يرتدي حلة رمادية على قميص لبني و ربطة عنق سوداء، و ها هو يقترب و يعرض صورة الطفل الغريق لكل شخص بالعربة و يبكي و يقول :”عار على العرب عار على العرب!”،  و لمحت أن هناك بعض الشباب يتهامسون و يضحكون بداخلهم و من الناس من كانوا يبكون و أكثرهم لا يبالون، و انا في حالة اندهاش رهيب و استمر الموقف حتى وصل المترو أخيرا إلى محطة المعادي و نزلت و كل همّي في الموقف الذي رأيته و خرجت من محطة المترو و جلست على سلالم المحطة و كادت رأسي أن تنفجر من الاندهاش و قلت في خاطري نحن ولا شك متأثرون بتلك الصورة فعلا و لكن هل العواطف فقط هي ما تحل تلك الأزمات؟!

 ليس موضوعنا الطفل الغريق الآن و إن كان تناول تلك القصة أمر في غاية الأهمية، إلا أننا نريد أن نركز موضوعنا على شيء أهم و هو ((الإنفعال دون الفعل))، أو كما أسميه أنا موسم العاطفة فلا شك أن كل شخص فينا يلاحظ عند حدوث كارثة طبيعية أو سياسية تصبح مواقع التواصل الإجتماعي في حزن شديد و يقوم كثير من الناس بتغيير صورهم الشخصية بصورة ذات شريط اسود و يعلنون الحداد و يبقى الوضع لعدة أيام حتى ينتهي التأثير و ترجع الأمور إلى مجراها، و ليست فقط مواقع التواصل الأجتماعي بل أيضا أمثال هذا الرجل صاحب ربطة العنق السوداء و جميعنا رأينا مثل تلك المشاهد تتكرر مثل حوادث (حرقوا الرضيع-الطفل الغريق-….. إلخ).

 إننا لا ننفي العاطفة بل نقول إنه لابد أن تكون تلك العاطفة وقودا لعمل شيء أكثر قيمة من إقامة العزاء ألا و هو نشر الوعي و إفادة المجتمع المظلوم و العبور به من وحل الجهل و الظلام الدامس إلى نور المعرفة، و ما يتوجب علينا فعله هنا هو عين ما قاله المفكر الكبير عليّ عزت بيجوفيتش:  “إذا أردت قتل البعوض فعليك بتجفيف المستنقعات”.

 أول الطريق لحل مشكلاتنا مهما كانت هو معرفة سببها و من ثم السعي لحلها، فما فائدة البكاء و النواح وحدهما في مواسم المصائب والأحزان؟ و بعدها ننسى ما حدث إلى أن تأتي حادثة أخرى!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

إذا أردنا فعلا أن نجفف المستنقعات فعلينا باستثمار عواطفنا النبيلة تلك في فعل أمر يفيد هذا المجتمع، ويخفف عنه مصائبه ويسعنى لمنع تكرارها أو التقليل من ذلك.

علينا كأشخاص عاقلين أن نتأثر معرفيّا أولا فنؤثر في مجتمعنا بالإيجابيات فالإنسان الذي يترك نفسه تتحرك كيفما يتحرك الهواء دون أي تقدير أو تدبير فلا يستحق أن يكون إنسانا، لقد ميزنا الخالق بعقولنا فعندما نلغي ذلك العقل و نجعل ما يحكمنا هي العواطف فهذا جرم في حق الإنسانية وإساءة استعمال لنعمة العقل، فمعيار الإيمان بالقضايا العظيمة لا يكون بمدى التعاطف تجاهها وفقط، و إنما يكون بحملها و نشرها و تطبيقها حتى تكون عواطفنا فعلا دليلا صادقا على نوايانا ومتبوعة بأفعال تدلل على نبلها لا مجرد حالة عارضة من الحزن في موسم العاطفة!

أحمد عادل

طالب

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة