إصداراتمقالات

زواج الصالونات

زواج الصالونات قضية اجتماعية منتشرة بشدة فى مجتمعنا، البعض يؤيدها والبعض الآخر لا يميل إليها أو ربما يهاجمها وبشدة.

إن تحدثنا أولا عن مفهوم الزواج فهو الإطار الشرعى لتكوين الأسرة وتهيئة لبيئة جديدة يستقر فيها كلاً من الرجل والمرأة ليُكملا حياتهما بشكل صحيح وليكونا عوناً لبعضهما البعض فى مشوار حياتهما وليُنشآ أفراداً بالتربية السليمة والرعاية الكاملة ليصبحوا أفراداً فعّالين فى المجتمع.

ومن أهم شروط نجاح الزواج هو مدى توافق وتناسب كل من الزوجين على عدة مستويات أهمها المستوى الفكرى والروحى، هذان المستويان ليتحققا يحتاجا إلى صبر وود ورحمة بين الطرفين واتفاق على هدف واحد يسعيا لتحقيقه طوال رحلة حياتهما، وقد يكون الهدف معنويا كإدراج قيمة سامية أو عدة قيم لحياتهما وتلك هى أرقى الأهداف.

أما الاتفاق الفكرى فهو مهم لتحقيق التواصل البنّاء وتجنب العديد من المشكلات الناتجة عن عدم وحدة الأسس الأولية والمفاهيم التى ينطلق منها تفكير كل منهما. والاتفاق الروحى أى التناسب بين الروحين بحيث يشعر الواحد منهما بالأنس والود بوجود الآخر وأن يتحول الكفاح وجهد الحياة الشاق إلى رحلة ممتعة فى حضور الروح الأخرى.

وحتى يتحقق هذا الاتفاق المرجو يجب أولاً الانتباه لأولى خطوات الزواج ألا وهى الاختيار. اختيار الشريك الذى ستقضى معه أطول فترة من عمرك وسيؤثر بشكل كبير على حياتك  ومستقبلك وأهدافك. يجب أن يكون الاختيار بنظرة عقلانية ليست نظرة مادية عقيمة تفتقر إلى الروح، ولا تكون شهوية فقط، ولا قاسية حد إهمالها، وإنما نظرة متجردة من الأهواء لتتمكن من اختيار ثاقب وصحيح  قائم على إشارات واستنتاجات واضحة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

تتم عملية الاختيار بطريقتين، إما باختيار حرعن سابق معرفة بالشخص المُختار أو بدون سابق معرفة بما يسمى ب”زواج الصالونات”.

بعض الشباب والبنات يفضل الاختيار الحر لما يتضمنه من إتاحة لتفكير حر وشعور وتواصل قد يفيد فى الوصول الأيسر إلى حالة السكن بين الروحين والانسجام فى الفكر والتى سبق الحديث عنها، والبعض الآخر يصعُب عليه الاختيار الحر لأسباب متعددة فيلجأ إلى النوع الآخر من الاختيار وهو زواج الصالونات ولا عيب فى ذلك أبداً. كلا النوعين من الاختيار ليس مؤشرا ثابتاً لنجاح أو فشل الزواج بدليل أن هناك زيجات ناجحة وزيجات أخرى فاشلة من النوعين، فالمعيار هنا ليس الطريقة نفسها بل – فى رأيي  –مدى تحقيق التفاهم والسكن لدى الطرفين.

قد يستنكر البعض، كيف أدعو إلى انسجام الأفكار والأرواح ولا أستنكر زواج الصالونات الذى يجهل فى بدايته كل طرف كل شئ عن الآخر!

نعم، لا أستنكر، لعدة أسباب، أولاً: أن السكن والتناسب ليس شيئاً ماديأ ملموساً يُقاس، وبالتالى لا يصح أن أحدد له شكلاً أو وقتاً ليظهر ويتكون، قد يحتاج إلى وقت أطول فى بعض الحالات، وأقصر فى حالات أخرى، ووفقاً لدرجة نقاء النفوس المتلاقية وتحملها ووعيها، فكلما كانت النفس قادرة على الصبر والرحمة والود –مقتضيات السكن والتناسب من وجهة نظرى– كلما كانت قدرتها أكبر فى الوصول مقارنة بالنفوس الأنانية المستنفَذة. وبالتالى يمكن أن يصل الطرفان إلى السكن والتناسب فى حالة زواج الصالونات، أى ليس لزاماً أن يكون هناك معرفة سابقة.

ثانياً: التوافق الفكرى ليس مستحيلاً الوصول إليه فى حالة زواج الصالونات، فالتفكير المنطقى واحد وأى إنسان قادر على الوصول إلى العقل السليم المتجرد من الأهواء ومن النماذج الخاطئة فى التفكير طالما أراد وأجتهد وتمرّن.

ونقاشى هنا فى نقطة ” الإمكانية ” دون تقرير بسهولة حدوث وإيجاد ذلك.

فإن كانت مقتضيات نجاح الزواج يمكن أن تتوفر فى زواج الصالونات، فلم لا ؟!

وهناك فترة الخطوبة وعلة وضعها هو تقييم مدى استعداد كل طرف لتقبل الطرف الآخر والعيش معه قبل توثيق الوعد والعقد الرسمى بالزواج، ومن الخطأ الشائع ربط فترة الخطوبة بحتمية استكمال الزواج، قد تتعدد أسباب ذلك الخطأ ولكنه ليس موضع حديثنا الآن. فما المانع إذاً؟..

عندما نتعلق بالأهداف دون الوسائل، نصبح أحراراً فى اختياراتنا، نكون محددين غير مشتتين؛ لأن الهدف بارز يرشدنا إليه أينما ذهبنا ولا يستوجب علينا سبيلاً بعينه، وسنتجنب أسبابا كثيرة قد تؤدى إلى الاحباط والحزن إذا فشل طريق ما، فأمامنا طرائق أخرى غيره نستطيع السير فيها طالما أنها تقودنا إلى نفس الغاية فى النهاية، وبالطبع الطرائق التى أقصدها هى ذات النوع الشريف الملتزم بالمبادئ والأخلاقيات.

أى إن كان الهدف هو الزواج الناجح أو السعيد، فينبغى أن تكون هناك مرونة فى الوسيلة الشريفة المتبعة، وليكن الدعاء بالهدف والقيمة المرجوة ولا نحدد الطريقة حتى لا نكون عرضة للإحباط إذا غفلنا أو جهلنا حكمة الله الرحيمة بنا. فقد تقتضى حكمة الله وقوانينه فى الكون وسيلة معينة تأخذنا إلى مرادنا ونحن من اختار غلق الباب أمامها.

مبتغى هذا المقال هو توضيح أن زواج الصالونات ما هو إلا وسيلة ينبغى ألا نستنكرها وألا نتعصب لها وحدها فى اختيار الزوج/الزوجة، فالمعيار هنا هو القدرة على الوصول إلى الزواج المثمر الحىّ القائمة جدرانه على التفاهم والود، وأن العفة والنية الصالحة والطرق الشريفة والتعقل فى الاختيار هم ما يجب أن يكونوا نصب اهتمامنا لتحقيق تلك الغاية المنشودة.

ويجب ألا ننسى أن الله على كل شئ قدير وبيده ملكوت السماوات والأرض، يرانا ويعرف خبايانا ومعاركنا واجتهادنا وسعينا، إن اتقيناه أرشدنا إلى المعيشة الهانئة فى الدنيا وإلى السعادة الأبدية فى الجنة.

هبة علي

محاضر بمركز بالعقل نبدأ وباحثة في علوم المنطق والفلسفة