إصداراتمقالات

الإنسان والمجتمع

كنت أتصفح موقع التواصل الاجتماعي ثقيل الظل المسمى بالفيسبوك وصادفت معلومة في إحدى الصفحات تقول “إنّ الشعور بالوحدة أمر مؤلم وإنّ الدماغ يعالج هذا الشعور بنفس الطريقة التي يعالج بها الألم الجسدي ويعتبر العزلة الاجتماعية في نفس مستوى الخطر المادي”. وبعد أن انتهيت توارد الى ذهني مناقشة كنت قد أجريتها مع أحد الأصدقاء أنه قرأ أنّ الدراسات العلمية بينت أنّ الإنسان “كان” إنسانا اجتماعيا وأن الوضع الجديد أنه “أصبح” يميل الى الوحدة، وكيف كان يدافع عن فكرة الانعزال عن المجتمع وكنت أقف على مبدئي العقلي أنّ الإنسان موجود اجتماعي، وجاءت لي تلك المعلومة لأضيفها كمقدمة جديدة لتلك المحادثة القديمة، وأخذت أفكر في كل هذا.

الفلسفة اهتمت بالإنسان بما أنه ذلك الموجود العاقل وأنه هو محور الموجودات لأنه الوحيد صاحب الإدراك الذهني الذي يحول المركب للبسيط وأوضحت أن الإنسان فطرته تتحقق في الاجتماع، حيث إنّه يحقق “إنسانيته” عندما يتعامل مع بشر غيره وهذا لا يكون إلا في مجتمع، إما صغير كالأسرة أو متوسط كالمدرسة والجامعة أو كبير كالوطن أو العالم.

 الإنسان وُجد بطبيعة معينة بإمكاننا أن نستعير لفظ “الفطرة” لنبين أكثر ونوضح المعنى، والإنسان إذا تماشى مع فطرته أو طبيعته تلك وحققها أو استجاب لها تحققت سعادته النفسية وإذا كبتها أو خرج عنها أصابته الكآبة والخلل النفسي، وهذا الخلل قد يتسرب إلى المجتمع الإنساني ويلحق به الضرر أيضًا، فمثلًا الإنسان مخلوق ذكرا وأنثى فلاستمرار النوع يستلزم تلاقى الطرفين، هذا أمر فطري، وإذا تلاقى رجل ورجل أو امرأة وامرأة فهذا لن ينتج شيئا وغير مثمر لأنه ضد طبيعة التجهيز الفسيولوجي للإنسان، مثل آخر عن النهار والليل، فالنهار يمتاز بالوضوح والنشاط وصاخب والليل مبهم ومظلم وهادئ لذلك طبيعة الإنسان أن يعمل نهارًا ويرتاح ليلًا فإذا عكست تلك الطبيعة فقد حصلت على إنسان مختل نفسيًا.

فالحقيقة أن الفطرة الإنسانية هي من القوانين الطبيعية التي يمكن أن يستبدلها الإنسان، على عكس مثلًا قوانين أخرى كقوانين الطبيعة يمكن للإنسان أن يستخدمها ولا يقدر على استبدالها، فالإنسان يقدر على أن يسير عكس ما تمليه عليه طبيعته أو فطرته ولكن الأكيد واليقيني أن هذا السير والسلوك لن يمر على خير وسيؤدى بالتأكيد الى خلل فردي واجتماعي.

على سبيل التوضيح كنا قرأنا تلك المعلومة عن العزلة والألم، وقلنا أن الإنسان “الطبيعي” يميل الى الاجتماع بأفراد نوعه، وقلنا أن السير عكس التيار يسبب الصدام والإعاقة، نستنتج أن الإنسان “الحديث” عندما ينفصل عن المجتمع طوعًا أو كرهًا فإنه قد قام بفعل غير طبيعي وأن مخه يعالج ذلك الفعل بنفس الأسلوب الذى يعالج به الألم، فتخيل معي إنسان يتألم طوال الوقت ولا يجد علاجًا أو مسكنًا كذلك هو الشخص المنعزل عن المجتمع هو في ألم دائم، وطبيعيٌ أن ينعكس هذا الألم على الجسد ويرهقه، فالمنعزل مرهق دائمًا نفسًا وجسدًا على العكس من الإنسان الاجتماعي: نشيط وخفيف الحركة وسعيد، فالنفس المتحفزة السعيدة التي لديها الإرادة تغذي الجسد وتجعله كالنحلة المثمرة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الذي يحضر لديه الشعور هو النفس والمخ هو آلة النفس العاقلة، فلو كانت اليد سليمة الأوتار لكان القلم جميل الخط.

ختامًا تفكرت كيف أن طبيعة الإنسان نفسية وجسدية والترابط بينهما لا ينفك، وأن الذى طابق تلك الطبيعة أو الفطرة لابد أنه الحق، ولعل هذا ما قصده الحكماء بأن الحق هو ما طابق الواقع، فالنظرية التي تعنى بالإنسان عقلًا وجسدًا هي حق، والنظرية التي تضع قوانين للاجتماع أو المجتمع بشكل يجعل لكل إنسان دور فيه فهي حق، وأي منظومة تنزع الإنسان من المجتمع وتعزله فهي يقينًا أمر باطل، فكل جهاز إلكتروني لديه كتيب المعلومات الخاص به، فلا يمكنك تشغيل التلفزيون بكتيب تعليمات غسالة الأطباق، الإنسان هو الواقع، هو الأصل وحقيقته هي الميزان لكل الهراء الذي نسمعه ونراه.